تتجه صناعة كتب الأطفال إلى تغيير شكل الكتاب الموجه إلى الفئة العمرية من 9 سنوات فأكثر، في محاولة لمواجهة تراجع القراءة للمتعة، مع ظهور أعمال أقصر وأكثر اعتمادًا على الرسوم والتصميمات التفاعلية، إلى جانب قصص تمزج بين النصوص والصور والألعاب والألغاز.
لماذا يبتعد الأطفال عن القراءة؟
تشير بيانات المبيعات واستطلاعات التعليم وملاحظات المعلمين وأمناء المكتبات إلى انخفاض إقبال الأطفال على القراءة للمتعة خلال السنوات الأخيرة.
ولا يرتبط الأمر بقصر مدة التركيز وحده، إذ تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها كثرة الأنشطة التي تشغل وقت الأطفال، وتراجع إمكانات بعض المكتبات المدرسية، وارتفاع أسعار الكتب، إلى جانب صعوبة اكتشاف الكتب المناسبة وسط الكم الهائل من المحتوى الرقمي المتاح لهم.
وبحسب تقرير نشره موقع publishers weekly أن السؤال لدى الناشرين والكتاب لم يعد كيفية إنتاج رواية جديدة من الروايات المصورة فحسب، وإنما كيفية إعادة تصميم تجربة القراءة نفسها.
كتب أقصر وتصميمات أكثر تنوعًا
بدأت دور النشر في تقديم كتب بأشكال مختلفة، بعضها يقل عن 150 أو 200 صفحة، بينما تعتمد أعمال أخرى على الرسوم والصفحات قليلة الكلمات أو الخالية منها تمامًا.
وتتبنى دار Stonefruit Studio، التي أطلقتها Sourcebooks هذا الصيف، هذا الاتجاه من خلال سلسلة “Fatal Glitch” للكاتبين إيرين إنتادا كيلي وإليوت شريفير، التي تدور حول عالم الألعاب الإلكترونية، وتصدر كتبها في أقل من 150 صفحة.
وصدر الكتاب الأول “Camp Zero” في يوليو الماضي، على أن يصدر الجزء الثاني “Let’s Play a Game” في سبتمبر، مع التخطيط لإصدار كتابين آخرين ضمن السلسلة.
وفي الاتجاه نفسه، يقدم كتاب “This Is a Door” للكاتب دانيال ناييري تجربة مختلفة رغم وصوله إلى 400 صفحة، إذ تحتوي بعض الصفحات على كلمات قليلة جدًا، بينما تخلو صفحات أخرى من الكلمات أو تستخدمها في تشكيلات بصرية مرتبطة بالقصة.
الرواية قد تتحول إلى تجربة بصرية
لا يقتصر التجديد على عدد الصفحات، إذ تستعين كتب أخرى بالرسوم والقصص المصورة والعناصر التفاعلية لجعل القراءة أكثر جذبًا.
ومن بين هذه الأعمال “An Octopus Named Houdini” للكاتبة زانا فرايلون، برسوم كوريانا لوكن، وهي رواية مكتوبة في شكل قصائد قصيرة، تتكون كل واحدة منها من ثمانية أسطر، في إشارة إلى أذرع الأخطبوط الثماني.
ويبلغ الكتاب 160 صفحة فقط، وهو ما يجعله نموذجًا لكتب تحاول تقديم قصة كاملة ومؤثرة في مساحة قصيرة.
كنا تتجه بعض دور النشر كذلك إلى إضافة عناصر تفاعلية خارج صفحات الكتاب. ويضم مشروع “Charlesbridge Moves”، على سبيل المثال، أغلفة قابلة للعكس وملصقات ورموز QR تقود إلى مواقع إلكترونية تحتوي على أنشطة مرتبطة بالكتب.
الكتاب القصير لا يعني كتابًا أسهل
يرى العاملون في صناعة النشر أن تقليل عدد الصفحات لا يستهدف فقط الأطفال الذين يواجهون صعوبة في القراءة، وإنما يمكن أن يساعد القراء عمومًا على استعادة ثقتهم بأنفسهم.
فعندما يتمكن الطفل من إنهاء كتاب خلال فترة قصيرة، يشعر بأنه حقق إنجازًا، وقد يشجعه ذلك على الانتقال إلى كتاب آخر بدلًا من النظر إلى القراءة باعتبارها مهمة طويلة وشاقة.
كما تسمح الكتب الأقصر للأطفال بقراءة عدة صفحات خلال فترات زمنية قصيرة، وهو أمر يتناسب مع جدول يومي مزدحم بالمدرسة والرياضة والأنشطة المختلفة.
القصة تظل العامل الأهم
ورغم الاهتمام بالشكل وعدد الصفحات، يؤكد العاملون في المجال أن التصميم وحده لن يعيد الأطفال إلى القراءة إذا لم يجدوا قصصًا يرغبون فعلًا في متابعتها.
ولهذا تشهد قوائم النشر الجديدة تنوعًا في الموضوعات، مع حضور واضح لقصص الغموض والمغامرات والألعاب الإلكترونية والرياضة، إلى جانب الأعمال التي تتضمن قدرًا من الرعب الخفيف.
كما يزداد الاهتمام بالقصص التي تجمع بين الحياة اليومية وعناصر الغموض، وبالسلاسل التي تمنح الطفل شخصيات متعددة يمكنه التعاطف معها أو التعرف على نفسه من خلالها.
محاولة لإنقاذ قارئ المستقبل
لا تبدو الكتب الأقصر والرسوم والعناصر التفاعلية مجرد اتجاه مؤقت في صناعة النشر، وإنما جزءًا من محاولة أوسع للتكيف مع الطريقة التي يستهلك بها الأطفال المحتوى اليوم.
ومع ذلك، يظل الهدف الأساسي هو نفسه العثور على قصة تجعل الطفل يرغب في معرفة الصفحة التالية، فإذا نجح الكتاب في هذه المهمة خلال سنوات القراءة الأولى، فقد لا يكون الأمر مجرد إنهاء رواية قصيرة، وإنما بداية لعلاقة طويلة مع القراءة تمتد إلى مرحلة المراهقة وما بعدها.