في خيمة لا تقي من البرد ولا تخفف وطأة الحر، ولا تمنح سوى مساحة ضيقة وشحيحة لأسرة تحاول أن تحتمي بداخلها من قسوة الأيام، تعيش أم فلسطينية مع طفليها إسماعيل وإلياس، بعدما فقدا والدهما الذي استشهد، لتجد نفسها وحدها في مواجهة مسؤولية ثقيلة تفوق قدرة أم أنهكها الفقد والنزوح، رعاية طفلين صغيرين يواجهان إصابات بالغة، والبحث عن فرصة علاج قد تنقذ حياتهما.
داخل هذه الخيمة، التي أصبحت مأوى الأسرة بعد أن فقدت بيتها وأمانها، لا تبدو حياة إسماعيل وإلياس شبيهة بحياة الأطفال الآخرين، لا ألعاب، ولا أيام عادية، ولا أحلام بسيطة تملأ الوقت، هناك فقط الألم، ومواعيد العلاج، والقلق من تدهور الحالة الصحية، وانتظار خبر قد يفتح أمامهما طريقا إلى العلاج خارج غزة.

الياس واسماعيل ابوالجبين
معاناة إسماعيل
إسماعيل أبو الجبين، طفل في التاسعة من عمره، أصيب جراء انفجار أدى إلى فقدان عينه اليمنى بالكامل، كما تسبب في فقدان شديد للغاية للسمع في أذنه اليمنى، وكسر في قاعدة الجمجمة، وقيلة دماغية مع فتق أنسجة عبر العيب الموجود في قاعدة الجمجمة.
ويحتاج إسماعيل، وفق توصيات الأطباء، إلى إجراء عملية لإصلاح قاعدة الجمجمة اليمنى في مركز طبي متخصص، وتزداد المخاوف مع استمرار تأخر العلاج، حيث قد تتفاقم حالته ويخسر ما تبقى من قدرته على السمع والرؤية.
في الخيمة، تحاول والدته أن ترعى طفلها المصاب، تراقب حالته وتتحمل معه الألم، بينما تحمل في داخلها خوفا لا يفارقها، ماذا لو تأخر السفر أكثر؟ وماذا لو تحولت الإصابة إلى ضرر دائم لا يمكن علاجه لاحقا؟
معاناة إلياس
أما إلياس، شقيقه الأصغر، البالغ من العمر ستة أعوام، فقد أصيب هو الآخر في انفجار أدى إلى إصابة شديدة في الرأس وكسر في الجمجمة. وبعد ذلك أصيب بخراج دماغي استدعى التصريف، لكنه لا يزال يعاني من آثار خطيرة للإصابة.
يعاني إلياس من ضعف في الجانب الأيمن، واضطراب في الكلام، وعيب عظمي في الجمجمة، ويحتاج إلى التأهيل والعلاج المتخصص، فيما لا تزال حالته الصحية خطيرة جدا.
وبينما يكافح الطفلان مع آثار إصاباتهما، تكافح والدتهما وحدها من أجل إبقائهما بخير، فقد استشهد والدهما، وباتت الأم المعيل الوحيد لطفليها، تحمل مسؤولية رعايتهما في ظروف قاسية، وفي خيمة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار الذي يحتاجه طفلان مريضان.
كل صباح يبدأ بالنسبة إلى هذه الأم بالسؤال نفسه، كيف سيكون حال طفلي اليوم؟ وكل ليلة تنتهي بالخوف من أن يمر يوم آخر دون أن يصل إسماعيل وإلياس إلى المكان الذي يمكن أن يحصلَا فيه على العلاج الذي يحتاجانه.
إسماعيل يحتاج إلى جراحة متخصصة لإنقاذ ما تبقى من قدراته، وإلياس يحتاج إلى علاج وتأهيل لمساعدته على استعادة ما فقده من قدرات الحركة والكلام، لكن العلاج المتخصص الذي تتطلبه حالتهما غير متوفر في غزة بالشكل الكافي، ما يجعل خروجهما للعلاج خارج القطاع ضرورة عاجلة.
خلف جدران هذه الخيمة، تختبئ حكاية طفلين فقدا والدهما، وأم تحاول أن تكون لهما الأب والأم والسند في الوقت نفسه، أم لا تملك سوى الأمل والمناشدة، وتنتظر أن يصل صوتها إلى الجهات القادرة على مساعدتها، إنها مناشدة من أم لا تريد أكثر من فرصة لطفليها، فرصة لإسماعيل كي يحصل على العملية التي يحتاج إليها، وفرصة لإلياس كي يبدأ رحلة العلاج والتأهيل، قبل أن تتفاقم حالتهما أكثر.
إسماعيل، ابن السنوات التسع، وإلياس، ابن السنوات الست، لا يحتاجان إلى الانتظار أكثر، يحتاجان إلى العلاج، وإلى فرصة حقيقية للنجاة والتعافي، وإلى أن تتوقف الخيمة التي يعيشون فيها عن كونها محطة انتظار للألم، وتصبح بداية طريق يقودهما إلى العلاج والأمان، طفلان فقدا والدهما، وأم تصارع وحدها من أجل إنقاذهما، وكل ما ترجوه أن تُفتح لهما أبواب العلاج قبل فوات الأوان.
مناشدة الأم
وتروي والدة الطفلين، تفاصيل معاناة طفليها، اللذين أصيبا بإصابات بالغة غيرت حياتهما، بينما تحاول وحدها رعايتهما ومتابعة احتياجاتهما الطبية في ظل ظروف قاسية، وبعد فقدانهما والدهما.
تقول الأم في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "طفلي الكبير إسماعيل فقد عينه اليمين، وفقد جزءا من سمعه، ومن وقت الإصابة وهو محتاج إلى عمليات وعلاج للعين والأذن، الإصابة لم تتوقف آثارها عند هذا الحد، فقد حدثت له مضاعفات، من بينها شلل في الوجه بسبب إصابة العصب السابع، وأصبح يحتاج إلى رعاية وعلاج متخصصين بشكل مستمر".
وتضيف، بصوت يحمل خوف الأم على طفلها: "إسماعيل طفل صغير، لكن الإصابة أخذت منه أشياء كثيرة، فقد عينه، وتأثر سمعه، ووجهه لم يعد كما كان بسبب شلل العصب السابع، كل ما أريده أن يحصل على العلاج والعمليات التي يحتاجها، وتكون أمامه فرصة ليستعيد قدر الإمكان ما فقده بسبب الإصابة".
وعن طفلها الأصغر إلياس، تقول الأم: "إلياس أيضا حالته صعبة للغاية، فهو يعاني من شلل نصفي، وفقد حاسة النطق، وأصبح عنده مشاكل في الإخراج ومشاكل في الإدراك، ابني الذي كان طفلًا يتحرك ويتكلم مثل باقي الأطفال أصبح بحاجة إلى رعاية ومتابعة مستمرة، ولا يستطيع أن يعيش حياته بشكل طبيعي".
وتتابع: "أنا وحدي مع طفلي بعد استشهاد والدهما، أحاول أن أتحمل وأرعاهما، لكن حالتهم تحتاج إلى علاج متخصص وإمكانات غير متوفرة لنا، كل يوم يمر أشعر بالخوف أكثر على مستقبلهما، وأتمنى أن يتمكنا من السفر للعلاج قبل أن تتفاقم حالتهما".
وتقول الأم إن مطلبها الأساسي هو أن يحصل إسماعيل وإلياس على فرصة حقيقية للعلاج خارج غزة، ويتم تسريع إجراءات سفرهما، حتى يتمكنا من الوصول إلى الأطباء والمراكز المتخصصة التي يمكنها التعامل مع إصاباتهما ومضاعفاتهما.
وتناشد الأم قائلة: "أنا لا أطلب شيئا لنفسي، كل طلبي أن ينظر أحد إلى حالة أطفالي، وأن يساعد في سفرهما للعلاج، إسماعيل وإلياس فقدا والدهما، وأنا أخاف أن أفقد أيضًا الأمل في أن يعيشا حياة أفضل، أريد لهما العلاج، أريد أن يسمعا ويتكلما ويتحركا ويعيشا مثل باقي الأطفال، قبل أن يضيع الوقت وتصبح حالتهما أصعب".