الأزمة التي واجهت العديد من التنظيمات الإقليمية على مدى عقود طويلة تجلت في اكتفائها، في كثير من الأحيان، بالتعبير عن مواقفها عبر بيانات رسمية، ربما تكتسب أهميتها من كونها تسجيلا صريحًا للموقف الذي تتبناه المنظومة على المستوى الجمعي، بما يضفي زخما على ما تحظى به من شرعية، إلا أن تأثيرها ظل محدودًا إلى حد بعيد، في ضوء عدم تجاوزها في كثير من الأحيان حدود الشجب والإدانة أو الإشادة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل حول ما إذا كانت هذه التنظيمات في حاجة إلى نهج يوسع نطاق الدبلوماسية الرسمية، عبر مسارات أخرى يمكن من خلالها التأثير ليس فقط في القرار الذي تتخذه دولة ما تجاه قضية تقع ضمن نطاق اهتمام المنظمة، وإنما في البيئة التي يتشكل داخلها هذا القرار.
ولا تقتصر بيئة القرار هنا على العلاقة مع الحكومات في إطارها الرسمي، وإنما تمتد إلى العديد من الدوائر الأخرى ذات التأثير، سواء كانت المنابر الإعلامية، أو مراكز الفكر، أو الجامعات، أو النخب السياسية والفكرية، أو البرلمانات، باعتبارها دوائر تسهم بدرجات متفاوتة في إنتاج الأفكار والتصورات، ونقلها، وتشكيل النقاش العام المحيط بصناعة القرار، ومن ثم، فإن الوصول إلى هذه الدوائر لا يمثل بديلًا عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما امتدادًا لها، يسمح للمنظمة بالانتقال من مجرد إعلان رؤيتها إلى محاولة إدخال هذه الرؤية نفسها ضمن البيئة التي تتشكل داخلها خيارات الدولة المستهدفة.
وتكتسب محاولة الوصول إلى بيئة القرار أهمية إضافية عندما لا يكون الطرف الذي يتحرك دولة بعينها، وإنما منظومة جمعية تمثل عددا من الدول، إذ يمكن النظر إلى تحرك الدولة منفردة باعتباره انعكاسا لمصلحتها الوطنية المباشرة، بينما يحمل الخطاب الصادر عن منظمة إقليمية، متى استند إلى موقف متوافق عليه بين أعضائها، وزنا مختلفا باعتباره تعبيرا عن مساحة من المصالح والرؤى المشتركة، وبالتالي لا تقتصر القيمة المضافة للمنظمة على اتساع نطاق تمثيلها، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن تضفيه من شرعية جمعية على الرسالة التي تسعى إلى إدخالها في بيئة القرار لدى الطرف الآخر.
وهنا تتمتع التنظيمات الإقليمية بميزة مختلفة عن الدول منفردة، لا تتجلى فقط في قدرتها على إنتاج موقف يحظى بشرعية جمعية باعتباره تعبيرًا عن مساحة من التوافق بين أعضائها، وإنما في إمكانية نقل هذه الشرعية إلى دوائر تتجاوز نطاقها الجغرافي. فولوج المنظمة إلى مراكز التأثير داخل الدول التي تتبنى مواقف متعارضة معها يمكن أن ينقل موقفها من مجرد تعبير عن توافق داخلي إلى أحد الطروحات الحاضرة داخل النقاش المحيط بصناعة القرار لدى الطرف الآخر، وهو ما يمكن وصفه بـ"الشرعية القابلة للتداول".
ولا تعني "الشرعية القابلة للتداول" هنا قبول الطرف الآخر بشرعية الموقف الذي تتبناه المنظمة أو تبنيه، وإنما انتقاله من نطاق التوافق الداخلي بين أعضاء المنظمة إلى أحد الطروحات الحاضرة في النقاش داخل بيئات خارجية.
النموذج الأحدث في هذا الإطار يتجلى في الحوار الذي أجراه الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مع إذاعة كولومبية بشأن الجولان السوري المحتل، بعدما اعترفت الحكومة الكولومبية بالسيادة الإسرائيلية عليه، فالتحرك في هذه الحالة لم يقتصر على تسجيل الموقف العربي الرافض للقرار، وإنما حمل هذا الموقف إلى المجال الإعلامي للدولة التي اتخذته، بما يمثل محاولة لإعادته إلى دائرة النقاش داخل بيئة القرار نفسها.
وتزداد دلالة هذا التحرك بالنظر إلى طبيعة الخطاب الذي قدمه فهمي، والذي استند إلى قواعد القانون الدولي ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، بما ساهم في تحويل الرسالة من مجرد الدفاع عن موقف عربي إلى مطالبة الطرف الآخر بالاتساق مع قواعد ومرجعيات دولية يفترض أنه يقر بها.
ولعل القيمة في هذا الحوار لا تقتصر على مجرد إعادة إعلان الموقف العربي الرافض للقرار، وهو الدور الذي يمكن أن يؤديه البيان الصادر في هذا الشأن، وإنما تمتد إلى إعادة ترجمة هذا الموقف سياسيًا، وليس لغويًا، بحيث يصبح قابلًا للتداول داخل بيئة مختلفة عن تلك التي أنتجته. وهنا يبرز الفارق بين تصدير رؤية جمعية بشأن قرار محدد من جانب، وإعادة صياغتها بما يسمح بإدخالها إلى دوائر النقاش والتأثير داخل بيئة الطرف الآخر من جانب آخر.
وإذا كان الوصول إلى المنابر الإعلامية في الدول المعنية يمثل أحد المسارات التي تسمح بإدخال الموقف الجمعي إلى بيئة القرار، فإن المساحة ذاتها تبدو أوسع من الإعلام وحده، إذ تمتد بطبيعتها إلى مراكز الفكر والمؤسسات البحثية والجامعات، التي تضطلع بدور متزايد في تشكيل التصورات المحيطة بالقضايا الدولية، وتغذية النقاشات التي تتحرك في إطارها دوائر صنع القرار، مما يمنح المواقف والرؤى التي تتبناها التنظيمات الإقليمية المنفتحة على هذه الدوائر مساحة أوسع للتداول، ويطيل عمر حضورها خارج اللحظة الإعلامية المرتبطة بصدور القرار أو الاعتراض عليه، خاصة وأن مثل هذه المراكز لا يقتصر دورها على إنتاج الدراسات، وإنما تسهم في صياغة التصورات، وطرح البدائل، وإدارة النقاشات التي يشارك فيها باحثون ومسؤولون وخبراء، وهو ما يمكن أن ينقل الشرعية الجمعية من مجرد الحضور المؤقت في النقاش العام إلى حضور أكثر استدامة داخل البيئة المحيطة بصناعة القرار.
وهنا يمكننا القول بأن القيمة الحقيقية للموقف الجمعي لا تتوقف عند قدرته على التعبير عن توافق أعضائه، وإنما تمتد إلى قدرته على مغادرة المجال الذي أنتجه والدخول في نقاش مع بيئات أخرى، وبين إنتاج الشرعية داخل المنظمة وتداولها خارجها، ربما تكمن إحدى المساحات التي يمكن أن تمنح التنظيمات الإقليمية حضورا يتجاوز حدود البيانات، دون أن تتجاوز في الوقت نفسه حدود الدور الذي أنشئت من أجله.