إذا كانت البيئة الدولية قد شهدت تحولات عميقة جعلت السيادة الوطنية هدفا مباشرا للضغوط والصراعات، فإن الإصلاحات الهيكلية لم تعد تؤدي الوظيفة ذاتها التي ارتبطت بها خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فبعدما كانت تمثل، في جوهرها، وسيلة لتهيئة الدول للاندماج في الاقتصاد العالمي، بما أتاح لها في أحيان كثيرة هامشا للمماطلة في تنفيذ بعض الالتزامات أو إعادة التفاوض بشأنها، أصبحت في المرحلة الراهنة ضرورة وجودية تستهدف تعزيز قدرة الدولة على حماية سيادتها والحفاظ على قدرتها على التكيف مع بيئة دولية أكثر تعقيدا.
غير أن هذا التحول يثير تساؤلا آخر لا يقل أهمية، لا يتعلق هذه المرة بكيفية استجابة الدولة منفردة للمتغيرات الدولية، وإنما بالكيفية التي يدار بها العمل الجماعي بين الدول داخل التحالفات التي تجمعها مصالح ورؤى وأطر حضارية مشتركة، فإذا كانت تلك الروابط قد بدت كافية في مراحل سابقة للحفاظ على تماسك التحالفات وضمان قدرتها على العمل، فإنها لم تعد، في اللحظة الراهنة، قادرة بذاتها على إنتاج المصلحة الجمعية، في ظل تصاعد الاعتبارات السيادية داخل الدول الأعضاء، وتحول حماية القرار الوطني إلى أولوية تتقدم على كثير من الالتزامات التحالفية التقليدية.
والواقع أن عملية إعادة إنتاج المصلحة الجمعية، والتي تعني إعادة تعريف الهدف الجامع الذي يلتف حوله أعضاء التحالف، ليست بالأمر الجديد في تاريخ التحالفات، وإنما تمثل سمة صاحبت تطورها عبر مراحل تاريخية متعاقبة، اختلفت فيها الأسس التي استندت إليها للحفاظ على تماسكها وقدرتها على العمل، فلو نظرنا إلى ما عرف بـ"المعسكر الغربي"، نجد أن نقطة الانطلاق جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحت مظلة إعادة الإعمار، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أخرى خلال الحرب الباردة، حيث شكلت المواجهة الأيديولوجية مع الاتحاد السوفيتي المصلحة الجمعية التي انتظمت حولها أطراف التحالف لعقود طويلة، ثم أعيد إنتاج تلك المصلحة مرة أخرى عقب انهيار الثنائية القطبية، عبر أطر جديدة ارتبطت بالحرب على الإرهاب، وما صاحبها من صعود للبعد الحضاري في تفسير طبيعة الصراع الدولي.
غير أن الملاحظة الأكثر أهمية لا تتعلق بتغير مضمون المصلحة الجمعية بقدر ما ترتبط بوتيرة إعادة إنتاجها، فإذا كانت التحالفات قد احتفظت خلال الحرب الباردة بإطار جامع استمر قرابة أربعة عقود، ثم انتقلت إلى إطار آخر امتد لنحو ثلاثة عقود إضافية، فإن التحولات التي يشهدها العالم اليوم توحي بأن الفواصل الزمنية بين عمليات إعادة إنتاج المصلحة الجمعية أصبحت أقصر، بينما باتت البيئة الدولية أكثر ديناميكية، بما يفرض على التحالفات إعادة تعريف الأساس الذي تستند إليه في الحفاظ على قدرتها الجماعية على الفعل بوتيرة أسرع مما كان عليه الحال في الماضي.
ولا تقتصر الملاحظة على تسارع وتيرة إعادة إنتاج المصلحة الجمعية، وإنما تمتد إلى الكيفية التي كانت تتم بها هذه العملية، حيث لم تتم بصورة تلقائية، وإنما كانت تعتمد، في كل مرحلة، على قدرة الطرف القائد داخل التحالف على صياغة إطار جامع يعيد تعريف المصلحة المشتركة بما يسمح بالحفاظ على تماسكه، انطلاق من موقعها المركزي، مستندة إلى ما يمتلكه من إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية مكنته من تحمل الجزء الأكبر من أعباء القيادة.
غير أن هذا النموذج بات يواجه تحديات متزايدة في المرحلة الراهنة، ليس فقط بفعل التسارع الكبير في التحولات الدولية، والذي يجعل إعادة إنتاج المصلحة الجمعية عملية أكثر تكرارا وتعقيدا، وإنما أيضا بسبب ارتفاع كلفة القيادة المنفردة، بالتوازي مع تصاعد تمسك الدول الأعضاء بسيادتها الوطنية، وحرصها على ألا تتحول المصلحة الجمعية إلى مدخل للانتقاص من استقلالية قرارها.
ولم يعد الأمر مقتصرا على ارتفاع كلفة القيادة، وإنما امتد أيضا إلى الدول الأعضاء ذاتها، فإذا كان التنازل عن بعض مظاهر السيادة داخل التحالفات في المراحل السابقة لا يرتب سوى كلفة سياسية أو دبلوماسية محدودة، فإن البيئة الدولية الراهنة رفعت من قيمة السيادة ذاتها، بعدما أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بالقدرة على حماية الاقتصاد الوطني، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وصناعة القرار، وهو ما يعني أن التنازل عن بعض جوانب القرار السيادي لم يعد يحمل الكلفة المحدودة التي عرفتها التحالفات في الماضي، وإنما بات يرتب أثمانا أكبر، تدفع الدول إلى إعادة تقييم حدود التزاماتها الجماعية بصورة أكثر دقة.
ومن ثم، لم يعد التحدي الرئيسي أمام التحالفات مقتصرا على الحفاظ على تماسكها، وإنما أصبح يتمثل في قدرتها على إعادة إنتاج المصلحة الجمعية في بيئة دولية لم تعد تسمح بقيادة تتحمل وحدها كلفة هذه المهمة، ولا بأعضاء أصبحت تكلفة التنازل عن بعض مظاهر سيادتهم أعلى بكثير مما كانت عليه في المراحل السابقة.
وهنا يمكننا القول بأن التحول الذي تشهده التحالفات في المرحلة الراهنة لا يتعلق فقط بتغير طبيعة التهديدات أو تسارع إيقاعها، وإنما يمتد إلى الآليات التي أنتجت المصلحة الجمعية لعقود طويلة. فإذا كان النموذج التقليدي قد نجح في مراحل سابقة بفضل قدرة الطرف القائد على تحمل الجزء الأكبر من أعباء القيادة، مقابل قبول الدول الأعضاء بهامش من التنازل الضمني عن بعض مظاهر سيادتها، فإن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها في البيئة الدولية الراهنة. فاليوم لم تعد التحالفات تعمل في بيئة تسمح بقيادة تتحمل وحدها كلفة إنتاج المصلحة الجمعية، ولا بدول أعضاء تستطيع تحمل الكلفة المتزايدة للتنازل عن بعض مظاهر سيادتها كما كان الحال في الماضي. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على الحفاظ على تماسك التحالفات، وإنما بات يتمثل في البحث عن نموذج جديد يعيد إنتاج المصلحة الجمعية في ظل معادلة دولية تغيرت فيها كلفة القيادة، كما تغيرت فيها كلفة السيادة نفسها.
إقرأ أيضا
الأوكتاجون.. البنية التشغيلية للدولة في إطار "NAPS”
من الاندماج إلى السيادة.. كيف تعيد "NAPS" تعريف وظيفة الإصلاحات الهيكلية؟