يُعد البكاء في الأماكن العامة أمراً بالغ الإحراج في ثقافتنا؛ فهو بمثابة إعلان صريح بأن ما نحمله من ضغوط وأحزان قد فاق قدرتنا على الاحتمال وتجاوز طاقة كتماننا، دائماً ما نبحث عن زاوية مظلمة أو باب مغلق لنذرف خلفه دموعنا بعيداً عن أعين المتطفلين، لكن يبدو أن للبريطانيين رأياً آخر تماماً؛ فقد تحول البكاء العلني هناك إلى ظاهرة اجتماعية معتادة، بل وظهرت مجتمعات افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي تضم هؤلاء الذين يبكون في قطارات الأنفاق، لدرجة أن الانضمام إلى ما أطلقوا عليه "عصابة البكاء في المترو" "crying on the Tube gang" أصبح بمثابة شهادة اعتماد غير رسمية تثبت أنك أصبحت "لندنيًا" حقيقيًا.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة "مترو" البريطانية الضوء على هذه الظاهرة المنتشرة في شوارع لندن ومواصلاتها، مؤكدة أن رؤية شخص يبكي في الأماكن العامة لم تعد مشهداً يثير الصدمة أو الاستغراب في العاصمة الإنجليزية.
سر الدموع العلنية.. التطهير النفسي و"ستار الزحام"
نقلت الصحيفة عن المعالجة النفسية "يوكو نيبودا"، تأكيدها أن البكاء في الأماكن العامة يُعد سلوكاً "صحياً للغاية"، وتوضح أن البكاء العفوي هو وسيلة للتطهير النفسي، حيث يتواصل الشخص مع مشاعره المكبوتة ليهدأ بعدها.
المثير في الأمر أن المعالجة النفسية البريطانية ترى أن التعبير عن الحزن أمام الغرباء يحرر مستوى أعمق من التوتر؛ فالشجاعة التي يتطلبها البكاء العلني تمنح الشخص شعوراً مفاجئاً بالقوة الداخلية تساعده على إكمال يومه.
أما عن سر اختيار "لندن" تحديداً، فيكمن في حالة "المجهولية" التي تمنحها المدن الكبرى. فالشخص الذي يبكي في المترو أو الحافلة يعلم تماماً أن من حوله يلاحظون دموعه، لكن الإيقاع السريع للحياة والتحفظ البريطاني يضمنان له عدم تدخل أي شخص وسؤاله عما يبكيه. هذا التوازن يوفر للباكي مساحة من الخصوصية وسط الزحام، ويضفي عليه هالة من الغموض المحبب للبعض، حيث يترك للغرباء فرصة التكهن بقصته دون التطفل عليه.
خريطة لندن للدموع.. أين يبكي الإنجليز؟
لم تكتفِ الصحيفة بتحليل الظاهرة، بل استعرضت تجارب سكان لندن ورشحت "أفضل الأماكن العامة" التي توفر الأجواء المثالية للبكاء في العاصمة..
مترو أنفاق لندن..
الساحة الرسمية والأكثر شعبية للبكاء. يتفق الكثيرون هناك على أن البكاء في المواصلات العامة بينما يتجاهلك الجميع هو "أفضل تجربة بريطانية" يمكن أن تعيشها.
الحافلات العامة..
يُفضل البعض الطابق العلوي من حافلات لندن الحمراء؛ حيث تكتمل الحالة الدرامية بالنظر من النافذة إلى شوارع المدينة ومعالمها أثناء ذرف الدموع، مما يضفي لمسة "سحرية" ودرامية على مشاعر الحزن.
قطارات السكك الحديدية وقت المطر..
رشحت إحدى الفتيات هذه القطارات تحديداً في الأيام المطيرة، حيث يتناغم طقس لندن الكئيب مع الحالة النفسية المنهارة.
الحدائق المفتوحة..
تصدرت حديقة "بروكويل" "Brockwell Park" وحديقة "جرينتش" "Greenwich Park" قائمة الأماكن المفضلة للبكاء. وتتميز الأخيرة بنقطة مشاهدة مرتفعة "Viewpoint" تجعل من البكاء وسط الطبيعة المفتوحة تجربة مريحة للأعصاب.
مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي..
شملت الترشيحات الغريبة البكاء في فروع مطاعم "واجاماما" "Wagamama"، حيث تتساءل الصحيفة بتهكم: "ما فائدة الحياة إن لم تستطع البكاء فوق طبق من حساء الكاري؟"، إلى جانب بعض الحانات الشهيرة في منطقة "كوفنت جاردن".
ورغم أن إيقاع العاصمة البريطانية يبدو قاسياً، وصعوبة تقديم السكان المحليين للمواساة المباشرة، إلا أن هناك "فهماً صامتاً" يجمعهم؛ فالراكب العبوس الذي يتجاهل دموعك اليوم في المترو، قد يكون هو نفسه من يبكي في المقعد المقابل لك في الأسبوع القادم.