ماذا لو عاش الإسكندر الأكبر 20 عاماً أخرى؟

الإثنين، 17 أغسطس 2026 10:00 ص
ماذا لو عاش الإسكندر الأكبر 20 عاماً أخرى؟ الإسكندر الأكبر

كتبت بسنت جميل

توفي الإسكندر الأكبر في بابل في يونيو عام 323 قبل الميلاد، عن عمر لم يتجاوز 32 عاماً، وخلال ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن، نجح في تغيير شكل العالم القديم؛ فقد هزمت جيوشه الإمبراطورية الفارسية، وعبرت آسيا الوسطى، ووصلت إلى الهند، وأقامت إمبراطورية امتدت من اليونان ومصر إلى وادي السند.

لكن إمبراطوريته دخلت، بعد وفاته، في حالة من عدم اليقين تكاد تكون مفاجئة بقدر سرعة ظهورها. ولكن ماذا لو لم يمت الإسكندر في ذلك الوقت؟ ماذا لو عاش 20 عاماً أخرى، أو أكثر، حتى بلغ أوائل الخمسينيات من عمره؟

بالطبع، لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما كان سيحدث. إلا أن السؤال يظل مثيراً للاهتمام بصورة خاصة، لأن الإسكندر ترك أدلة على خططه المستقبلية. ووفقًا لما أورده المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي، لم يكن الإسكندر يعتزم الاستقرار بهدوء في بابل، بل كان يخطط لمزيد من التوسع الهائل.

الإسكندر لم يكن ينوي التوقف

بحلول عام 323 قبل الميلاد، كان الإسكندر قد حقق إنجازات بدت مستحيلة للأجيال السابقة، لكن طموحه لم يكن قد تراجع، وتسجل يومية فلكية بابلية معاصرة وفاته، بينما احتفظ المؤرخون اللاحقون بروايات عن الاستعدادات التي كانت جارية في بابل خلال الأشهر الأخيرة من حياته.


وتشير الأدلة إلى أن الإسكندر كان يستعد لحملة عسكرية ضد شبه الجزيرة العربية. ويذكر المؤرخ أريان أن أسطولًا كان يجري تجهيزه لتنفيذ عمليات ضد القبائل العربية.
ولم تكن الحملة مجرد فكرة بعيدة، إذ كانت الاستعدادات قد بدأت بالفعل قبل وفاته، كما تشير أجزاء من سجل بابلي إلى استعدادات تتعلق بالقوات والتحركات العسكرية في اتجاه الأراضي العربية، ولو عاش الإسكندر، فمن شبه المؤكد أن شبه الجزيرة العربية كانت ستكون إحدى أولى اهتماماته، لكن ربما لم تكن سوى البداية.

هل كان البحر المتوسط هدفه التالي؟

تأتي واحدة من أكثر الروايات إثارة للاهتمام من ديودور، الذي يقول إن الإسكندر ترك خططاً  مكتوبة لمشروعات كان من المقرر تنفيذها بعد وفاته، وكانت هذه الخطط ضخمة للغاية.
ومن بينها اقتراح لبناء ألف سفينة حربية كبيرة في فينيقيا وسوريا وكيليكية وقبرص، على أن تُستخدم في حملة عسكرية ضد القرطاجيين وشعوب أخرى على سواحل شمال أفريقيا وغرب البحر المتوسط، وصولًا إلى إيبيريا وصقلية. 


كما تحدث ديودور عن خطط لإنشاء طريق على طول الساحل الأفريقي الشمالي، إلى جانب موانئ وأحواض لبناء السفن يمكنها دعم مثل هذه الحملة، وإذا كانت هذه الخطط صحيحة، فإنها تغير بصورة كبيرة تصورنا عن طموحات الإسكندر الأخيرة؛ فهو لم يكن ينظر إلى الشرق فقط، بل كان اهتمامه يتجه أيضًا نحو الغرب.

هل كان الإسكندر قادراً على غزو قرطاج؟

كانت قرطاج واحدة من أقوى دول غرب البحر المتوسط، وتمتلك ثروة كبيرة ومستعمرات وبحارة ذوي خبرة وشبكة تجارية واسعة، ولم يخض الإسكندر من قبل حربًا تشبه تمامًا الحرب التي كان سيحتاج إليها ضد قرطاج. فقد تحققت أعظم انتصاراته من خلال قوات برية سريعة الحركة، وحروب الحصار، والتنسيق الدقيق بين سلاح الفرسان والمشاة، أما مواجهة قرطاج فكانت ستتطلب عملية بحرية هائلة.

ومع ذلك، أثبت الإسكندر بالفعل قدرته على التكيف مع الظروف العسكرية المختلفة. فقد دمج القوات البحرية الفينيقية والقبرصية والمصرية في منظومته العسكرية، كما تطلبت حملته في الهند بناء أسطول ضخم، قاده الأدميرال نيارخوس عبر نهر السند وعلى طول الساحل وصولًا إلى الخليج الفارسي.

لذلك، لم تكن حملة في البحر المتوسط تتجاوز قدراته التقنية أو التنظيمية. لكن السؤال الحقيقي كان سيكمن في مدى إمكانية استمرارها سياسياً واقتصادياً، جاء ذلك بحسب ما ذكر موقع جريك ريبوت.

وماذا عن مصر؟
 

ربما كانت مصر ستصبح أكثر أهمية في إمبراطورية الإسكندر لو عاش لفترة أطول، فقد أسس الإسكندر بالفعل مدينة الإسكندرية، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أعظم مدن العالم القديم، ولو عاش عقدين إضافيين، فمن المحتمل أنه كان سيجعل المدينة مركزاً أكثر أهمية لإمبراطوريته، وكانت لديه أيضاً طموحات عمرانية ضخمة.

فقد كتب ديودور عن خطط لبناء معابد كبرى في أماكن مثل ديلوس ودلفي ودودونا، إلى جانب إقامة قبر ضخم لوالده فيليب الثاني، كما تحدث عن خطط لتأسيس مدن جديدة ونقل السكان بين أوروبا وآسيا، بهدف ربط الإمبراطورية من خلال المصاهرة وتعزيز العلاقات بين شعوبها.

وهذا يكشف جانبا مهما من شخصية الإسكندر؛ فلم يكن يفكر في الغزو وحده، بل كان يفكر أيضًا في كيفية ربط إمبراطورية هائلة ومتعددة الثقافات.

تجربة الدمج الثقافي الكبرى
 

كان الإسكندر قد بدأ بالفعل في دمج التقاليد المقدونية واليونانية والفارسية والآسيوية، فقد تبنى بعض مظاهر البلاط الفارسي، وشجع الزواج بين المقدونيين والفرس. وكان زواجه الجماعي الشهير في سوسة عام 324 قبل الميلاد رمزًا لهذه السياسة، وتزوج آلاف الجنود المقدونيين من نساء فارسيات، بينما تزوج الإسكندر نفسه من ستاتيرا، ابنة داريوس الثالث.

لكن سياساته أثارت استياء بعض الضباط المقدونيين، ولو عاش الإسكندر 20 عاماً أخرى، فمن المرجح أن يصبح هذا التوتر أحد أكبر التحديات أمام حكمه، فقد كان الإسكندر قادراً على هزيمة الجيوش، لكن الحفاظ على ولاء قادته كان مسألة مختلفة تماماً.

المشكلة الأكبر كانت الخلافة

ومن المفارقات أن أكبر تهديد لإمبراطورية الإسكندر ربما لم يكن روما أو قرطاج أو الهند، بل عائلته نفسها، فقد مات الإسكندر دون وريث بالغ قادر على تولي إمبراطوريته. وكانت زوجته روكسانا حاملًا، بينما كان أخوه غير الشقيق فيليب الثالث أرهيدايوس غير قادر على توفير القيادة الحاسمة التي كانت الإمبراطورية تحتاج إليها، وخلال سنوات قليلة من وفاته، دخل قادته في صراعات وحروب عرفت باسم حروب خلفاء الإسكندر، وانقسمت الإمبراطورية.

ولو عاش الإسكندر عقدين إضافيين، لكان من الممكن تأجيل هذه الأزمة السياسية، والأهم أنه كان سيحصل على الوقت اللازم لتحديد وريث وترتيب عملية انتقال السلطة، وربما كان سينجب أطفالًا آخرين، ويعين وريثًا رسميًا، ويعيد تنظيم صفوف قادته، ويؤسس مؤسسات قادرة على البقاء بعد وفاته، وربما كان ذلك أهم من أي غزو جديد.

هل كانت روما ستصبح قوة عظمى؟
 

هنا يصبح السؤال الافتراضي أكثر إثارة، كانت روما قد بدأت بالفعل في التوسع داخل إيطاليا خلال حياة الإسكندر، لكنها لم تكن بعد القوة العظمى التي ستصبح عليها لاحقا، ولو نجح الإسكندر في غزو أو تحييد القوى الكبرى في غرب البحر المتوسط، فمن الممكن أن يكون مستقبل روما قد تغير بصورة جذرية.

فبدلاً من مواجهة الممالك الهلنستية واحدة تلو الأخرى، ربما كانت روما ستجد نفسها أمام إمبراطورية هائلة تمتد من مقدونيا ومصر إلى شمال أفريقيا وربما إيبيريا، وكان استمرار الإسكندر في الحكم قادرا على تغيير ميزان القوى في البحر المتوسط قبل أن تحصل روما على فرصة للهيمنة عليه.

لكن هناك مشكلة أساسية: كانت إمبراطورية الإسكندر ضخمة بالفعل وصعبة الإدارة. وإضافة أراضي غرب البحر المتوسط كانت ستزيد المشكلة تعقيداً، وبالتالي، لم يعد السؤال: هل يستطيع الإسكندر غزو هذه الأراضي؟ بل أصبح: هل يستطيع حكمها؟ وربما كانت الهند ستشهد مسارا  مختلفا، كانت جيوش الإسكندر قد وصلت بالفعل إلى نهر السند، لكن جنوده رفضوا مواصلة التقدم شرقًا.

ولو عاش الإسكندر، فمن المحتمل أن تكون حملة هندية جديدة ممكنة، لكنها لم تكن حتمية، فقد كشفت الحملة الهندية حدود قدرة الجنود المقدونيين على التحمل، كما تسبب عبور صحراء جيدروسيا في معاناة شديدة للجيش، وكان الإسكندر أمام خيار استراتيجي واضح: هل يواصل التقدم شرقًا ويخاطر بإرهاق جيشه مرة أخرى، أم يتوقف لتوطيد الأراضي الشاسعة التي سيطر عليها بالفعل؟، وربما كان الإسكندر الأكثر حكمة سيختار التوطيد، لكن الإسكندر الذي عرفه التاريخ كان مدفوعًا بطموح لا يعرف الحدود تقريبًا.من السهل تخيل الإسكندر وهو يعيش حتى سن 52 عامًا ويغزو العالم المعروف بأسره، لكن التاريخ نادرًا ما يكون بهذه البساطة، فإمبراطوريته كانت تظهر بالفعل علامات التوتر. وكان قادته يختلفون مع سياساته، بينما كان الجنود المقدونيون يعانون من الإرهاق.

20 عاما إضافية ربما كانت ستغير كل شيء
 

كما أن حكم أراضٍ فارسية ومصرية وآسيوية وسطى وهندية كان يتطلب أكثر من مجرد الانتصارات في ساحات المعارك، والإسكندر نفسه لم يكن خالدا أو محصنا ضد الأزمات، وتؤكد اليومية الفلكية البابلية المعاصرة واقعة وفاته في بابل، ما يجعل وفاته حدثًا تاريخيا موثقًا، بغض النظر عن السبب الدقيق للمرض الذي أنهى حياته.

لكن ما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة هو أن خططه كانت لا تزال تتوسع عندما انتهت حياته، ويذكر ديودور أن خلفاء الإسكندر فحصوا مذكراته بعد وفاته، ورفضوا المشروعات الطموحة التي وجدوها فيها، معتبرين أنها باهظة التكلفة ومعقدة للغاية بحيث يصعب تنفيذها.

وربما كان هذا القرار قد غير التاريخ بقدر ما غيرته وفاة الإسكندر نفسها، فلو عاش 20 عامًا أخرى، ربما شهد العالم القديم حروبا ضد شبه الجزيرة العربية وقرطاج، وبناء أساطيل بحرية ضخمة، وتأسيس مدن جديدة، وفتح طرق تجارية جديدة، وتعميقًا أكبر لعملية امتزاج الثقافات اليونانية والآسيوية.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة