بيشوى رمزى

التحالفات الدولية.. عندما يتجاوز المجال التشغيلي حدود العضوية

الأحد، 16 أغسطس 2026 02:18 م


إذا كانت القدرة الجمعية للتحالف باتت مرهونة بما تقرر الدول الأعضاء تخصيصه من إمكانات، وفقا لحساباتها السيادية، وبقدرة التحالف على تنظيم هذه الإمكانات وتوظيفها في خدمة المصلحة الجمعية، فإن الفجوات الناجمة عن هذا النهج قد تؤدي إلى عجزه عن تغطية جميع الوظائف الضرورية لتحقيق الهدف، وقد تكفلت قيادة التحالف، على مدار عقود طويلة، بسد هذه الفجوات وتحمل الجزء الأكبر من أعباء الوظائف التي أحجمت بقية الدول عن أدائها، إلا أن التحولات المتلاحقة في البيئة الدولية، وما صاحبها من تغير في طبيعة التهديدات، أدت إلى ارتفاع كلفة استمرار هذا الدور، ولذا لم يعد التساؤل مقتصرا على كيفية توزيع الأعباء داخل التحالف، وإنما امتد إلى مدى إمكان توسيع مصادر قدرته إلى خارج حدود العضوية، وما إذا كان ذلك يمثل إصلاحا بنيويا يعزز فاعليته واستدامته، أم تقويضا لجوهر التحالف ونقلا لمركز قدرته إلى خارجه.

والواقع أن التحالفات اعتمدت تاريخيا على توسيع عضويتها باعتباره إحدى الوسائل لإدخال دول جديدة، بما تمتلكه من مواقع وقدرات، ضمن بنيتها المؤسسية، غير أن هذا المسار لا يخلو من كلفة، باعتبار أن ضم عضو جديد لا يضيف قدراته إلى التحالف فحسب، وإنما يوسع في الوقت ذاته نطاق التزاماته وضماناته وحدود احتكاكه بالقوى المنافسة، وهو ما يتجلى في الجدل الممتد حول توسع حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وما أثاره من توترات متصاعدة مع روسيا، التي نظرت إليه باعتباره تهديدا لأمنها ومجالها الحيوي، لتصبح مسألة العضوية ذاتها، وخاصة في الحالة الأوكرانية، إحدى القضايا الرئيسية في الصراع بين موسكو والغرب.

ورغم أن توسع الناتو لا يقدم بمفرده تفسيرا كافيا للحرب التي اندلعت عام 2022، فإن الحالة تكشف عن معضلة أوسع تتجاوز الحالة الأوكرانية ذاتها، تتمثل في أن توسيع العضوية ليس مجرد وسيلة لإضافة قدرات جديدة إلى التحالف، وإنما قرار يترتب عليه توسيع دائم لنطاق الالتزامات والضمانات المتبادلة، حتى وإن كانت الحاجة الأصلية إلى الدولة المنضمة ترتبط بموقع أو قدرة أو وظيفة محددة، ومن هنا، يبرز التساؤل حول ما إذا كان التحالف مضطرا إلى ضم كل دولة يحتاج إلى موقعها أو قدراتها، أم يستطيع توسيع مصادر قدرته من خلال صيغ للشراكة مع دول من خارج عضويته، تسمح لها بأداء وظائف محددة في خدمة الهدف الجمعي، من دون أن يترتب على ذلك توسيع دائم لنطاق التحالف أو التزاماته الدفاعية.

ولعل شراكة التحالف مع دول من خارج عضويته تمثل إحدى الصيغ المتاحة لسد الفجوة الوظيفية الناجمة عن قصور ما يخصصه الأعضاء من قدرات بقراراتهم السيادية، غير أن نجاح هذه الصيغة يظل مشروطا بعدة عوامل، يأتي في مقدمتها وجود مساحة كافية من تقاطع المصالح بين التحالف والشريك الخارجي، حيث لا يشترط أن يمثل هذا التقاطع تطابقا كاملا في أهدافهما النهائية، فقد يسعى كل طرف إلى غاية مختلفة، بينما تتيح لهما عملية محددة تحقيق منفعة مشتركة أو أهداف مرحلية متوافقة، بما يدفع الشريك إلى تخصيص جزء من قدرته لأداء وظيفة يحتاج إليها التحالف، ويسهم في سد العجز الذي يحول دون تحقيقه الهدف بإمكانات أعضائه وحدهم.

ويتمثل الشرط الثاني في ارتباط مساهمة الشريك بوظيفة محددة من حيث نطاقها وهدفها ومدتها، حتى لا تتحول الاستعانة به من وسيلة لسد فجوة في قدرة التحالف إلى مسار مستقل يصعب ضبطه، فكلما اتسع نطاق المهمة المسندة إلى الشريك، ازدادت قدرته على توجيه الفعل وفق أهدافه الخاصة، وتراجعت قدرة التحالف على الحفاظ على الصلة بين الوظيفة الخارجية ومصلحته الجمعية.

أما الشرط الثالث، فيتمثل في وجود آلية تسمح للتحالف بالحفاظ على الصلة بين الدور الذي يؤديه الشريك والوظيفة التي جرى الاستعانة به من أجلها، دون أن يعني ذلك إخضاع قراره لسلطة التحالف، باعتباره دولة غير عضو تظل قرارات مشاركتها واستمرارها وتوقفها خاضعة لسيادتها الوطنية، وقد تتحقق هذه الآلية من خلال ارتباط أداء الشريك بقدر من الدعم الضروري الذي يقدمه التحالف، سواء كان سياسيا أو ماليا أو لوجستيا أو استخباراتيا، مع احتفاظه بإمكان تعليق هذا الدعم إذا تجاوز الشريك حدود الوظيفة المتفق عليها، أو من خلال ترتيبات تحدد مسبقا نطاق المهمة وحدود التنسيق بين الطرفين. ومن ثم، لا تقوم قدرة التحالف على ضبط دور الشريك على إصدار الأوامر إليه، وإنما على امتلاكه قدرا كافيا من التأثير يسمح له بالحد من انفصال الوظيفة التي يؤديها الشريك عن الهدف الذي يسعى التحالف إلى تحقيقه.

وهنا لا تصبح قدرة الشريك جزءا من القدرة الجمعية للتحالف، التي تظل في جوهرها نتاجا لما تخصصه الدول الأعضاء من إمكانات، وإنما تمثل امتدادا للمجال التشغيلي الذي يستطيع التحالف تعبئته في خدمة مصلحته الجمعية، عندما تؤدي هذه القدرة وظيفة محددة داخل تصور يضعه لتحقيق هدفه، وتظل خاضعة لترتيبات تمنحه قدرا من التأثير في نطاق استخدامها واستمرارها. ومن ثم، يمكن للشراكة الخارجية أن تمثل إصلاحا بنيويا يوسع نطاق القدرة المتاحة للفعل من دون توسيع العضوية، مع بقاء تحديد الهدف وتنظيم الوظائف داخل بنية التحالف.

غير أن هذا النموذج لا يخلو من المخاطر، يأتي في مقدمتها الاعتماد المفرط على الشريك الخارجي، بما قد يقلص حوافز الدول الأعضاء لتخصيص قدراتها، ويحول الشراكة تدريجيا من وسيلة لسد فجوة وظيفية محددة إلى بديل عن التزامات الأعضاء أنفسهم، وبالتالي، لا تكون القدرة الخارجية قد عززت القدرة الجمعية للتحالف، وإنما أسهمت في إضعاف مصادرها الداخلية وزيادة اعتمادها على طرف لا ينتمي إلى بنيته المؤسسية.

ويتمثل الخطر الآخر في اتساع فجوة التحكم بين حاجة التحالف إلى قدرة الشريك، وافتقاره إلى سلطة مباشرة على قراراته، فقد يتجاوز الشريك حدود الوظيفة المتفق عليها، أو يستمر في أداء المهمة بعد تغير حسابات التحالف، مستندا إلى أهدافه الخاصة وقدرته على تحمل كلفة تعليق الدعم، وفي هذه الحالة، قد تتحول مساهمته من مصدر لتعزيز فاعلية التحالف إلى مصدر للكلفة أو الانكشاف الاستراتيجي، خاصة إذا أصبح التحالف مطالبا بتحمل التداعيات السياسية أو الأمنية لأفعال لم يقررها ولم يستطع وقفها.

وتقدم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل نموذجا كاشفا لهذه المعضلة، وإن لم تكن تطبيقا مؤسسيا مكتملا للتصور المقترح، إذ أسهم الدعم الأمريكي في تعزيز القدرة الإسرائيلية على أداء أدوار تتقاطع في بعض مراحلها مع أهداف واشنطن، بينما احتفظت إسرائيل بقرارها السيادي في تحديد نطاق عملياتها وتوقيت وقفها، وقد ظهر أثر هذا التباين في الخلافات بين الجانبين بشأن استمرار بعض العمليات واتساعها، سواء في غزة أو لبنان أو خلال المواجهة مع إيران، بما يكشف أن الاعتماد المتبادل قد يمنح الطرف الداعم قدرة على التأثير، لكنه لا يضمن له السيطرة الكاملة على مسار الفعل.

وبالتالي، فإن الاستعانة بالشركاء الخارجيين لا تمثل في ذاتها تقويضا للتحالف، فالعبرة ليست بوجود قدرة خارج حدود العضوية، وإنما بطبيعة الطرف الذي يحدد الهدف وينظم الوظائف ويضع حدود الفعل، فإذا ظل الشريك يؤدي وظيفة محددة داخل تصور يقرره التحالف، من دون أن يحل محل التزامات أعضائه أو يستقل بتوجيه العملية، أصبحت مساهمته امتدادًا للمجال التشغيلي للقدرة الجمعية، أما إذا أصبح التحالف معتمدا عليه في وظائفه الأساسية، أو عاجزا عن ضبط التداعيات الناجمة عن قراراته، فإن الشراكة تتحول من إصلاح بنيوي إلى نقل فعلي لمركز القدرة خارج التحالف.

وهنا يمكننا القول بأن استدامة التحالفات مستقبل لا تتطلب ا استمرار التوسع في العضوية بقدر ما تتطلب الفصل بين حدودها المؤسسية ومجالها التشغيلي، بحيث تظل العضوية إطارا للالتزامات والضمانات المتبادلة، بينما يمتد المجال التشغيلي ليشمل شركاء يؤدون وظائف محددة وفق مصالح متقاطعة وترتيبات قابلة للضبط، وبذلك، لا يتخلى التحالف عن جوهره، وإنما يعيد تنظيم العلاقة بين من يملك قرار الفعل ومن يشارك في إنتاج القدرة اللازمة لتنفيذه.

 

إقرأ أيضا

التحالفات الدولية.. معضلة إنتاج المصلحة الجمعية

التحالفات الدولية.. من وحدة الهدف إلى تقاطع المصالح

التحالفات الدولية.. من المصلحة إلى القدرة الجمعية




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة