تكفى إرادة طرفٍ للحرب؛ لكنها لا تتوقف إلا بموافقة الطرفين. وتصير عُرضة للتقلبات بالمكابرة، وفى مهب الريح والفوضى إن تقاطَع طرف ثالث.
وتزداد المخاطر وتتعقَّد حال كان الأخير فى مَتنِها، ثم أُطيح به خارجها، أو وجد نفسه على الهامش قبل أن يكتمل له ما أراد.
نجح نتنياهو لثلاث سنوات فى إصابة أهدافه، أو جُلّها. غير أنه يقف فى برزخ ضيق، لا يطيق فيه الصبر والانتظار، ولا يحتمل المغامرة والتجريب.
ما كان يتخيل قبل هدية السنوار أن يُوجّه ضربة قاتلة لمحور الممانعة، يصل الساحات ببعضها، ويتدرّج من إحداها لِمَا بعدها، وصولاً إلى القلب فى طهران.
منحته حماس منفذًا للمستحيل، ومنعه الطمع والاندفاع وحلفاؤه المتطرفون من رُشد الإدارة؛ فقَضَم أضعاف ما يستطيع هضمه، وأعمته القوة، وطرأت تغيّرات لم يتحسّب لها، ولا عرف كيف يفلت من حبائلها.
كسب فى التكتيك كثيرًا، وخسر فى الاستراتيجية. وأكبر خسائره أنه لم يعُد قابضًا على اللحن ولا مُتحكّمًا فى الإيقاع.
ارتخى الحبلُ فى يده؛ فتعثّر فى الوقت. صُودِرَ الميدان منه ببطء، ساحةً بعد أُخرى، إلى أن أصبح القرار كاملاً فى عُهدة ترامب.
والأخير رجل تجارة وصفقات، وليس سياسيًّا مُحترفًا ولا عسكريًّا مغوارًا. ولولا هالة القوّة لابتلعته أمواجُ العالم، وليس أدلّ على ضياعه، من أنه الأضعف إزاء إيران، وتتعذّر عليه مجاراتها تصعيدًا وتهدئة، وبالدبلوماسية كما بالسلاح.
إنه مأزق تل أبيب، وأسوأ حكوماتها على الإطلاق؛ رغم أن إسرائيل فكرة عنيفة أصلاً، وتزداد تطرّفًا مع الأيام.
كان «الطوفان» مُوجّهًا للاحتلال، وتأسّس على فائض قوّة «حماس»، وقد بُنِيَت تحت رعاية زعيم الليكود، الذى أخرج السنوار وأقرب مُعاونيه فى صفقة شاليط، ومرّر للحركة ملايين الدولارات فى حقائب دبلوماسية طوال سنوات.
والقصدُ؛ أنه أفرط فى التنكيل بالفلسطينيين، وأعان الأُصوليِّين على مُصادرة القضية، ووسّع عامدًا قوس المواجهة الأخيرة؛ فطوّرها من الشام إلى الهضبة الفارسية.
أسقطت الهجمة على غلاف غزّة جدار الردع؛ فلم يكتفِ بترميمه، أو تدعيمه بحائلٍ آخر، إنما سوّاه بالأرض؛ ليُعيد النظر فى عقيدته الأمنية كاملاً.
تحوّل عن تسييج الجغرافيا بالحديد والخوف، وتأطير المعارك وإبقائها بعيدةً، إلى الضربات الاستباقية، وتوسيعها، مع القتال من النقطة صفر.
سقطت كلُّ الافتراضات القديمة، وما يزال المُمانعون وأتباعهم يلوكون الأمانىّ والخيالات.
يرفع الصهاينة بنادقهم منذ أكثر من ثلاثين شهرًا، تمدّدوا فى بلدين مُجاورين، وطالت أياديهم لثلاثةٍ أبعد.
أقاموا تحت الصواريخ وصافرات الإنذار شهورًا، واعترض أغلبهم على وقف الحرب مع الجمهورية الإسلامية فى أبريل.
نجح العجوز «بيبى» فيما تمنّاه ابتداءً، وكانت نقطة ضعفه فى النجاح نفسِه. فَبِقَدر ما راهن على استدراج واشنطن؛ تغافل عن أنها لن تبقى مُنقادةً، كما لا تصلح للتبعية فى أى عمل مُشترك.
الغُرور استبدّ بالإسرائيليين فى القطاع، وغباء «حزب الله» قدّمه لُقمةً سائغة لهم. وبمجموع النجاحين؛ تطلّع الطمّاعون للأكثر، فتحرّشوا بحَرس الثورة فى سوريا، وتمادَوا مع صمته، وحديث المُرشد عن «الصبر الاستراتيجى»؛ فقصفوا معقلهم الحصين!
افتتح نتنياهو حربَه الفردية فى يونيو قبل الماضى، وبالاحتيال جرّ سيد البيت الأبيض ليختم له الجولة بعد اثنى عشر يومًا.
لاحقًا؛ سوّق له فكرة الإجهاز على النظام، فخاضا الثانية معًا؛ لكنه فوجئ بالحليف الأكبر يُطوّحه بعيدًا، ويتّخذ قرارات مصيرية، من دون مُشاورة أو إخطار!
وما جرى؛ أن الأمريكيين أوقفوا القتال من طرفٍ واحد، ثم أبرموا صفقةً، وخرجوا منها مُؤقّتًا لأقل من أسبوعين، وعادوا بتهدئةٍ مُعلَنَة، قبل أيام من استقبال حليفهم، والحصيلة أنهم ثبّتوا انفرادهم بالساحة، وأنه لا رأى لسواهم أو قرار.
تعبت إيران واستُنزِفَت، وما عادت تحتمل المزيد. غير أنها مُخيّرة بين صمودٍ أطول، تُراهن فيه على الانتخابات، وتُرسِّخ هيمنتها فى المضيق، أو أن تصرخ لتَفتَكّ أصابعها من فم الغريم، وتخسر كل شىء.
نتنياهو ذاهب للصناديق، وآخر ما يرغب فيه ويخدمه، أن تُجرى الانتخابات فى هدوءٍ، لا سيّما أن موعده أواخر أكتوبر، بعد ثلاثة أسابيع من ذكرى الطوفان.
والأجواء الطبيعية ستنكأ الجراح، وتُثير أسئلة المسؤولية والمُحاسبة، وصلاحية مَن تسبّب فى المشكلة، لاستكمال البحث عن حلول!
مصلحة الائتلاف أن يُغلّف الاستحقاق بعدم الاستقرار، ليصرف الأنظار عن الثقوب، ويُنعِش برنامج رئيسه وجدارته، باعتباره «السيد أمن».
غير أنَّ الجمهوريين فى مأزقٍ شبيه، والمقدّمات غير مُطمئنة. انتخاباتهم بعد أسبوع من حُلفائهم.
والواقع يفرض على ترامب امتصاص آثار الحرب؛ لكنه يسعى لاحتواء جماعات الضغط والمُوالين لإسرائيل، ولهذا يستقبل نتنياهو بعد طُول امتناع.
زيارة سادسة؛ لكنها خلاف سابقاتها، ولها طعمٌ مُرّ. دفع ثمنها مسبقًا، ولن يتحصّل على مُقابل، ولا أمل فى شراء بضاعته الكاسدة.. يُطلق حملته الخاسرة هناك؛ فكأنه ضيّع ما لديه فى تل أبيب، ويُفتّش عنه فى واشنطن!
إيران تنتظر خسارة الكونجرس، وفى الانتظار مُغامرة: تتضاعَف الأعباء دون ضمانات، وقد يُجَنّ الرئيس بالنتائج السلبية، ولديه من المخارج ما يُعينه على إمضاء الجنون!
إنما يظل موقفه صعبٌ بين الخيارين: عاجز عن الإقدام، ومُحمّل الآن وفيما بعد بكُلفة الإحجام.. لا سيما أن إيران تتعامل كأن ليس لديها ما تخسره، وتعتبر كلَّ إبطاء إقرارًا من الآخر بهزيمته، واعترافًا لها بالنصر.
قرار تجميد الضربات لا يعودُ لأسبابٍ سياسية، ولا أقتنعُ بأنّ وراءه مانعًا لوجستيًّا كما نشرت صحفٌ أمريكية. مُجرّد إرخاء للحبل، وتثبيت للولاية المُطلَقة، ونزع للورقة استباقيًّا من طاولة الحوار مع جماعة تل أبيب.
وسيُحسَب ظاهرًا على إمهال الدبلوماسية، ورغبة التهدئة واحتواء الانفلات الإيرانى. فضلاً على التحشيد ورفع الجاهزية، وإتاحة مُتّسع لخلخلة التوازنات الداخلية فى طهران.
يُضاف لِمَا سبق؛ أنهم أجبروا نتنياهو على التنازُل، وتمرير قرار من الكابينت بتفعيل لجنة التكنوقراط وقوّة الاستقرار فى غزة، وهو ما يُماطل فيه منذ أكتوبر.
جرّ «بيبى» الولايات المتّحدة، ونجح فى أمرَكَة الحرب؛ لكنه طُرِح منها، وما عاد شريكًا، بل يُؤمَر فيُطيع.. حُيّد الصهاينة نسبيًّا؛ ولكن صقور واشنطن وطهران خطر، والأخطر أنهما مُستمتعان باللعبة الخاسرة!