ناهد صلاح

قبل الظهر.. الشعور بالذنب أقسى من الموت

السبت، 09 مايو 2026 09:23 ص


​اقتحم المخرج مروان الشافعي بفيلمه القصير "قبل الظهر"، شارك مؤخرا في مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير، اقتحم تلك المناطق المسكوت عنها بوعيٍ سينمائيٍّ لا يهاب الاصطدام بصلابة الموروث، حيث تذوب الحدود بين الطقس الاجتماعي والوجع الفردي. إنها مغامرة إبداعية خاضها بلا وجل، ليشرّح برهافة ومكاشفةٍ حادة قضية إنسانية مفرطة الحساسية، محولاً الحرمان من وداع وعناق أخير من ابن مراهق لوالده، إلى مرآة تكشف عورات القمع النفسي، وتنتزع حق الإنسان في التعبير عن هشاشته أمام جلال الفقد.

​هذا الفيلم القصير يأتي بوصفه تجربة سينمائية تنشغل بما هو أبعد من الحكاية المباشرة، إذ يحوّل سؤال الفقد إلى تأمل وجودي في معنى التطهر الإنساني وحدود التعبير العاطفي داخل مجتمعاتنا، وهو ما يعكس قدرة المخرج على تحويل "التابو" الاجتماعي حول الحزن إلى مساحة للنقد الثقافي العميق. لا يتعامل الفيلم مع الحزن باعتباره حدثاً عابراً، بل يضع بطله المراهق "سيف" داخل منطقة نفسية ملتبسة، حيث يصبح الحرمان من "اللمسة الأخيرة" أو نظرة الوداع الأخيرة لوالده، لأنه يرى نفسه ملوثا، يحتاج الاغتسال والتنقي بعد أن شاهد فيديو أثار غرائزه، هذا  الحرمان يمثل جرحاً رمزياً يفوق وقع الموت ذاته. من هنا تنبع قوة الفيلم، فهو لا يقدّم المأساة بوصفها ذروة درامية تقليدية، إنما كحالة صمت ممتدة تتآكل داخل الشخصية تدريجياً، لتكشف هشاشة الإنسان حين يُمنع ذاتيا حتى من ممارسة حزنه بصورة طبيعية.

​ينجح مروان الشافعي في تفكيك هذا التناقض عبر لغة بصرية غير مسرفة لكنها مشحونة بالإيحاءات، حيث تتحول التفاصيل إلى علامات على القمع النفسي والاجتماعي، ويصبح الجسد نفسه ساحة صراع بين الرغبة في التطهر والخوف من الإفصاح عن الألم. الفيلم يطرح، بشكل غير مباشر، نقداً حاداً للبنية الثقافية التي تربط الرجولة بالكتمان وتعتبر التعبير الحميمي ضعفاً أو تجاوزاً، هنا تبدو الكاميرا كأنها أداة جراحية تشرّح مفهوم "الصلابة الزائفة" التي تُفرض على الفرد في لحظات انكساره، لذلك تبدو رحلة "سيف" للاغتسال والتنقي كما لو أنها محاولة لاستعادة حق إنساني بسيط: أن يلمس حزنه وأن يعترف به. هذه الفكرة تمنح العمل بعده الإنساني العميق، خصوصاً أن السيناريو الذي كتبه عبد الرحمن جابر عن فكرة مروان الشافعي، لا يقع في فخ الخطابة أو التفسير المباشر، بل يترك المساحات الصامتة لتقول ما تعجز الشخصيات عن البوح به.

​ يبدو هذا الحس الإنساني امتداداً طبيعياً لمسار مروان الشافعي نفسه، الذي ينتمي إلى جيل من صناع الأفلام المصريين الساعين إلى كسر القوالب التقليدية في تناول الشخصيات والهواجس النفسية. لم يأتِ الشافعي إلى الإخراج من فراغ تقني بحت، بل عبر خلفية تجمع بين التمثيل والعمل المسرحي وتدريب الممثلين، وهو ما يفسر اهتمامه الواضح بالتفاصيل الأدائية وبناء الحالات الشعورية أكثر من اعتماده على الحبكة الصاخبة، تظهر هذه الخلفية بوضوح في "إدارة السكون"، حيث تصبح حركة عين الممثل أو إيماءة يده أغنى من الحوار المنطوق. شارك الشافعي ممثلاً في أعمال تلفزيونية سابقة مثل "عفاريت عصمت" و"الزوجة الثانية"، قبل أن يتجه بصورة أوضح إلى صناعة الأفلام القصيرة، حيث وجد المساحة الأنسب لطرح أسئلته الشخصية والوجودية بحرية أكبر.

​من اللافت أن الشافعي لا يتعامل مع السينما بوصفها وسيلة ترفيهية خالصة، بل كطريق للتوغل النفسي والإنساني، لذلك يبدو فيلمه هذا معني بتشريح المشاعر المكبوتة والوهن الداخلي للشخصيات. ربما هذا الوعي المبكر هو ما لفت الانتباه إليه حين تم اختياره ضمن برنامج "صُنّاع كان" المرتبط بـ مهرجان كان السينمائي، كذلك حين حصد فيلمه جائزة "أحمد خضر للتميز في صناعة السينما العربية" ضمن فعاليات مهرجان السينما المستقلة الأوروبي، وهي جائزة تحمل دلالة خاصة لأنها مُنحت لفيلم استطاع أن يلامس أسئلة إنسانية. ​كما أن المعالجة البصرية التي صاغها مدير التصوير أدهم خالد تمنح الفيلم طابعاً خانقاً ومكثفاً، إذ تتكامل الإضاءة المحدودة والزوايا الضيقة مع الحالة النفسية للبطل، بينما يلعب الصوت دوراً موازياً للصورة عبر خلق شعور دائم بالاختناق الداخلي والفراغ العاطفي. لا يمكن إغفال حساسية الأداء التمثيلي، خاصة من مروان عاشور، الذي قدّم شخصية مأزومة من الداخل دون مبالغات انفعالية، معتمداً على نظرات مترددة وحضور جسدي مرتبك يعكس التشقق النفسي للشخصية، الأداء هنا يتجاوز التمثيل إلى مرحلة "التعايش" مع الثقل النفسي للدور.

ربما كان الفيلم سيكسب عمقاً إضافياً لو منح الشخصيات المحيطة بـ"سيف" حضوراً أكثر اتساعاً، لا بوصفها عناصر سردية، بل كامتداد للضغط الاجتماعي الذي يحاصره، إذ ظل العالم الخارجي أحياناً باهتاً مقارنة بالعاصفة النفسية الداخلية للبطل، وربما احتاجت العلاقة بين "سيف" ووالده إلى ومضات إنسانية أكثر قبل لحظة الفقد، حتى يصبح الحرمان من الوداع أكثر إيلاماً على المستوى العاطفي، لا الرمزي فقط، كما أن الفيلم، في سعيه المحمود إلى التكثيف، كاد أحياناً يقترب من الغموض الشعوري، حيث تظل بعض الانفعالات حبيسة الإشارة لا الاكتمال، وهو ما قد يخلق مسافة باردة نسبياً لدى بعض المتلقين، لكنه إجمالا فيلم محكم وراسخ، لديه هذا التماسك في إيقاعه العام، وهنا لابد من الإشارة إلى مونتاج ياسر عزمي، فالمشاهد بدت سريعة مواكبة للحالة الشعورية في الفيلم الذي تتراكم فيه التفاصيل المرتبطة بالتطهر مثل مشهد غسل الأب، خلال نحو 14 دقيقة هي مدة الفيلم، بما يمنح أثراً ويترك مساحة لتأويل المتفرج.

​أهمية "قبل الظهر" لا تكمن فقط في موضوعه، بل في قدرته على تحويل قضية شديدة الخصوصية إلى سؤال إنساني كوني عن معنى التطهر الحقيقي: هل يتحقق عبر الطقوس الخارجية أم عبر مواجهة الألم والاعتراف به؟ .. هنا يبرهن الفيلم على وعي سينمائي لافت لدى مروان الشافعي، الذي يبدو منشغلاً بسينما النفس أكثر من سينما الحدث، وبالجرح الداخلي أكثر من الحبكة التقليدية. لذلك لم يكن غريباً أن يلفت العمل الانتباه في مشاركاته الدولية، وأن يشارك في المسابقة الرسمية ضمن الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير، لأن الفيلم يمتلك بالفعل تلك الخصوصية التي تجعل من التجربة الشخصية خطاباً إنسانياً قابلاً للتلقي عالمياً. الأهم أن الشافعي لا يكتفي بصناعة فيلم قصير جيد تقنياً، بل يسعى إلى خلق حالة شعورية كاملة، حالة تتسلل إلى المتفرج بهدوء وتتركه أمام أسئلة معلقة حول الفقد والحنان والحق المؤجل في الوداع، وهذه هي المهمة الأسمى للسينما: أن تبقينا في حالة تساؤل حتى بعد انطفاء الشاشة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة