جمال عبد الناصر يكتب: حسن ومديحة وجان دارك .. موعد مع الخلود

السبت، 30 مايو 2026 07:22 م
جمال عبد الناصر يكتب: حسن ومديحة وجان دارك .. موعد مع الخلود الكاتب الصحفي والناقد الفني جمال عبد الناصر

0:00 / 0:00
كتب : جمال عبد الناصر

ثمة أيام لا تمر في الذاكرة مرورا عابرا، بل تبدو وكأن التاريخ تعمد أن يجمع فيها أرواحا متباعدة في الملامح، متقاربة في الأثر، ويأتي الثلاثون من مايو محمّلًا بذكريات رحيل ثلاث شخصيات مختلفة تماما، لكنها تشبه بعضها في شيء واحد وهو: البقاء.

الأول فنان شعبي استثنائي، عاش وسط الناس ومنحهم ضحكته ودفئه وإنسانيته، فصار جزءًا من ذاكرة أجيال كامل إنه الفنان الكبير حسن حسني، والثانية امرأة عبرت السينما المصرية بكل مراحلها العمرية والإنسانية، من الفتاة الفاتنة إلى الأم المصرية النبيلة، إنها الفنانة القديرة مديحة يسري، أما الثالثة، فلم تكن ممثلة ولا مطربة، بل فتاة جاءت من قلب الحرب والنار، وقادت أمة كاملة وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة، ثم احترقت لتتحول إلى أسطورة خالدة، إنها جان دارك.

ثلاثة وجوه مختلفة، لكنها جميعا تؤكد أن التأثير الحقيقي لا يقاس بطول العمر، بل بقدرة الإنسان على أن يترك أثرا لا يرحل.

 

  • حسن حسني حالة تمثيلية نادرة يصعب تكرارها.

لم يكن مجرد ممثل يؤدي دوره وينصرف، بل كان روحا كاملة تدخل الفيلم فتمنحه الحياة، وربما لهذا السبب أصبح وجوده في أي عمل بمثابة شهادة ضمان للنجاح، وكان المنتجون والمخرجون والنجوم الشباب يدركون أن هناك ممثلًا إذا ظهر في المشهد منح الجميع طمأنينة غريبة، وكأن الكاميرا تصبح أكثر دفئًا بوجوده، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول إلى (الختم) الذي يعلن ميلاد البطل السينمائي، من محمد هنيدي إلى محمد سعد، ومن كريم عبد العزيز إلى أحمد السقا، كان حسن حسني حاضرًا في لحظة التحول الكبرى لكل نجم تقريبًا، ولكن عبقرية الرجل لم تكن في الكوميديا وحدها، فقد كان يملك تلك القدرة النادرة على الانتقال من الضحك إلى الحزن دون افتعال، ويطلق النكتة وكأنه واحد من أبناء الحارة، ثم يفاجئك في مشهد آخر بعينين ممتلئتين بالوجع الإنساني، وفي أعماله التليفزيونية والسينمائية كان قادرًا على أداء الأب المكسور، والرجل البسيط، والانتهازي، والحكيم، والعاشق، والموظف المهزوم، دون أن يفقد صدقه لحظة واحدة، ولم يعتمد حسن حسني على الوسامة أو البطولة التقليدية، بل على موهبة خالصة تعرف كيف تصنع الإنسان قبل الشخصية، وربما لهذا أحبه الجمهور، لأنه لم يكن نجمًا بعيدًا، بل كان يشبههم.. كأنه عمّ أو أب أو جار يعرفونه منذ سنوات طويلة.

 

  • رحلة فنانة في عمر السينما المصرية

أما مديحة يسري، فقد كانت السينما نفسها وهي تكبر أمامنا، فهي ليست مجرد ممثلة جميلة، بل رحلة كاملة عاشت كل مراحل المرأة المصرية على الشاشة، وبدأت كفاتنة تحمل سحر الأبيض والأسود، ثم تحولت إلى بطلة تحمل قضايا المرأة وهمومها، ثم صارت الأم الحنون، وأخيرًا الجدة التي تمنح الشاشة وقار الزمن، وكانت مديحة يسري تدرك أن الجمال الحقيقي للممثلة ليس في قدرتها على الحفاظ على صورتها القديمة، بل في شجاعتها لتعيش عمرها فنيًا وإنسانيًا، ولهذا لم تهرب من الزمن، بل تصالحت معه، وتركت الكاميرا ترى تحولات روحها وملامحها دون خوف.

وفي أدائها كان هناك شيء من الرقة المصرية القديمة؛ ذلك الأداء الذي لا يعتمد على الصراخ أو المبالغة، بل على الإحساس الداخلي الهادئ، وكانت تعرف كيف تقول الجملة بعينيها قبل صوتها، وكيف تمنح الشخصية كرامتها حتى في لحظات الانكسار، ولأنها كانت عاشقة حقيقية للسينما، لم تكتفِ بالتمثيل فقط، بل خاضت تجربة الإنتاج أيضا، ودعمت الفن من داخل الصناعة نفسها، كما شاركت في الحياة العامة والبرلمانية، وكأنها كانت تؤمن أن الفنان الحقيقي لا يعيش داخل الاستوديو فقط، بل داخل المجتمع أيضًا.

 

  • جان دارك.. خارجة من أسطورة لا من التاريخ

فتاة ريفية صغيرة قالت إنها تسمع نداءً إلهيًا يدعوها لإنقاذ فرنسا، فحملت روحها ومضت إلى الحرب، بينما كان الرجال يترددون، وقادت الجيش الفرنسي إلى انتصارات حاسمة في حرب المئة عام، ومهدت الطريق لتتويج الملك شارل السابع، لكنها دفعت الثمن غاليًا، فقد خانها الساسة، وباعها الحلفاء، وسلمت إلى الإنجليز، ثم حوكمت بتهمة العصيان والهرطقة، وأُحرقت وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها.

لكن النار لم تأكلها، بل صنعت منها رمزًا خالدًا، ولهذا بقيت جان دارك حاضرة في الأدب والمسرح والسينما والفنون، لأنها لم تكن مجرد فتاة حاربت، بل فكرة كاملة عن الإيمان والشجاعة والتمرد على الخوف، وربما هذا ما يجمع حسن حسني ومديحة يسري وجان دارك رغم كل الاختلاف. 

أنهم جميعًا عاشوا بإيمان كامل بما يفعلون، فواحد جعل الناس تضحك وتبكي في اللحظة نفسها، وأخرى جعلت السينما ترى المرأة بكل مراحلها الإنسانية، وثالثة واجهت الموت وهي تؤمن أن صوتها الداخلي أصدق من العالم كله.

وهكذا يصبح الثلاثون من مايو ليس مجرد تاريخ للرحيل، بل يوم تتذكر فيه الإنسانية أن بعض البشر يغادرون أجسادهم فقط، لكن أثرهم يبقى حيًا، كأنه يرفض النهاية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة