لم يعد مرض السكر مجرد اضطراب يقتصر تأثيره على ارتفاع مستويات السكر في الدم، بل بات يُنظر إليه كحالة مزمنة متعددة التأثيرات، تمتد مضاعفاتها إلى مختلف أجهزة الجسم، بما في ذلك الجهاز العضلي الهيكلي، وعلى رأسه العمود الفقري، وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثير من المرضى بمراقبة مستويات الجلوكوز وتجنب مضاعفات القلب والكلى، تظل صحة الظهر جانبًا مهمًا غالبًا ما يتم إغفاله، وفقا لموقع تايمز ناو.
تأثيرات خفية على العمود الفقري
يتكون العمود الفقري من سلسلة من الفقرات تفصل بينها أقراص غضروفية مرنة تعمل كممتصات للصدمات وتمنح الجسم القدرة على الحركة والانحناء.
هذه الأقراص تعتمد في تغذيتها على شبكة دقيقة من الأوعية الدموية التي تنقل إليها العناصر الغذائية اللازمة للحفاظ على مرونتها وكفاءتها.
عند الإصابة بمرض السكر، يؤدي الارتفاع المزمن في مستويات السكر في الدم إلى تلف هذه الأوعية الدموية الدقيقة، وهو ما يقلل من تدفق الدم والعناصر الغذائية إلى الأقراص الفقرية.
ومع مرور الوقت، تفقد هذه الأقراص رطوبتها ومرونتها، ما يجعلها أكثر عرضة للتآكل والتلف، وقد يؤدي ذلك إلى الشعور بآلام مزمنة في الظهر، إضافة إلى تيبس وصعوبة في الحركة.
اعتلال الأعصاب وتفاقم الألم
من المضاعفات الشائعة المرتبطة بمرض السكر ما يُعرف بـ اعتلال الأعصاب السكري، وهو حالة تنتج عن تلف الأعصاب بسبب ارتفاع السكر لفترات طويلة. ورغم أن هذا الاعتلال يُعرف غالبًا بتأثيره على الأطراف، مثل اليدين والقدمين، فإنه قد يمتد أيضًا إلى الأعصاب المرتبطة بالعمود الفقري.
هذا التلف العصبي قد يؤدي إلى تضخيم الإحساس بالألم، أو ظهور أعراض غير معتادة مثل الحرقان أو الوخز، كما قد يجعل من الصعب تحديد مصدر الألم بدقة، وفي بعض الحالات، يؤدي الالتهاب المزمن المصاحب لمرض السكري إلى زيادة حدة هذه الأعراض، ما يجعل حتى المشكلات البسيطة في الظهر أكثر إيلامًا وتعقيدًا.
عوامل تزيد من المخاطر
لا تتساوى جميع الحالات في درجة تأثرها، إذ توجد عوامل عدة تزيد من احتمالية حدوث مشكلات في العمود الفقري لدى مرضى السكري، من أبرزها ضعف التحكم في مستويات السكر في الدم، وطول مدة الإصابة بالمرض، إضافة إلى نمط الحياة الخامل وقلة النشاط البدني.
كما تلعب السمنة دورًا مهمًا، حيث يزيد الوزن الزائد من الضغط الواقع على العمود الفقري، ما يسرّع من تدهور حالته. ويُعد الجلوس لفترات طويلة، خاصة في بيئات العمل المكتبية، من العوامل التي تُفاقم هذه المشكلة، نظرًا لما يسببه من إجهاد مستمر للفقرات والأقراص الغضروفية.
مؤشرات لا ينبغي تجاهلها
تشير مجموعة من الأعراض إلى احتمال تأثر العمود الفقري لدى مرضى السكر، من بينها الشعور بألم مستمر أو متكرر في الظهر، والتيبس، والتنميل أو الوخز في الظهر أو الأطراف، إضافة إلى تراجع القدرة على الحركة أو انخفاض مرونة الجسم. ويُعد تفاقم الألم مع مرور الوقت علامة تستدعي الانتباه وعدم التأجيل في طلب الاستشارة الطبية.
طرق الوقاية.. خطوات أساسية
رغم خطورة هذه المضاعفات، فإن الوقاية منها تظل ممكنة إلى حد كبير من خلال اتباع مجموعة من الإجراءات البسيطة والفعالة ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم، باعتباره العامل الأهم في الحد من تطور المضاعفات.
كما يُنصح بممارسة التمارين الرياضية بانتظام، خاصة تلك التي تساعد على تقوية عضلات الظهر وتحسين مرونته، إلى جانب الحفاظ على وزن صحي لتقليل الضغط على العمود الفقري، ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة الالتزام بوضعيات جلوس ووقوف صحيحة، لتجنب الإجهاد غير الضروري على الفقرات.
وفي حال ظهور أعراض مستمرة، يُعد التدخل الطبي المبكر خطوة حاسمة لتشخيص الحالة ووضع خطة علاج مناسبة، ما يساعد على تجنب تفاقم المشكلة وتحسين جودة الحياة.
يمتد تأثير مرض السكر إلى ما هو أبعد من اضطراب مستويات السكر في الدم، ليشمل أجهزة متعددة في الجسم، من بينها العمود الفقري.
إن إدراك هذه العلاقة واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحد من المضاعفات، ويمنح المرضى فرصة للحفاظ على صحتهم ونشاطهم اليومي.