تتداخل الأبعاد التقنية والنفسية والمؤسسية في منظومة متشابكة لتزييف الوعي السياسي، مما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام نهضة الدولة واستقرارها؛ حيث تبدأ هذه الإشكالية في إطار تسلسلي ممتد من بيئة التزييف الخارجي، مرورًا بالقصور الذاتي والمؤسسي للمجتمع، وصولًا إلى جني الثمار المُرّة التي تعطل مسارات التنمية والتقدم، الأمر الذي يستدعي قراءة نقدية واعية تفكك أركانها من جذورها العميقة لإحداث التغيير المأمول وتأمين مستقبل الأوطان.
تتحرك مخططات الهدم الممنهج عبر منصات موجهة وكتائب إلكترونية، تتوخى خلخلة وعي المواطن، واستهداف سياج الثقافة السياسية للدولة؛ إذ تتبدى الإشكالية في التشويه المعرفي والقيمي البنيوي الذي يضرب الأطر والممارسات الحاكمة، مما ينتج تشظيًا في المفاهيم المشتركة، ويسرع وتيرة التضليل لتفكيك الروابط الفكرية والوجدانية، الأمر الذي يربك آليات الإدراك الجمعي ويفضي بالضرورة إلى إضعاف الحصانة الذاتية للمجتمع في مواجهة الاستهداف المنظم لمقومات استقراره.
يتغذى هذا المسار التدميري على سياسات انتقائية تعتمد التزييف واجتزاء الحقائق عبر منهجية الحذف لترسيخ صورة العوار في الأذهان، مستندة إلى صناعة التهويل وبث الشائعات لتعظيم المشكلات الحياتية، بالتوازي مع توظيف خبراء مأجورين لشرعنة الأكاذيب وتشويه الواقع، مما يمنع اكتمال الصورة الصحيحة ويحيل الخلل الطارئ إلى حقيقة مطلقة، لينتهي المجتمع إلى ارتياب دائم يمزق نسيجه الوطني ويعطل طاقاته الحيوية عن البناء والتقدم والنهوض.
تجد أدوات الهدم بيئة خصبة للانتشار نتيجة ثغرات في الخطاب التثقيفي والتنويري؛ إذ يرتهن التنوير الإعلامي والسياسي بالحدث اللحظي وفقط، مع موسمية الخطاب وغياب الاستمرارية، مما يحول دون بناء استراتيجيات معرفية مستدامة، تمد الفرد بالبيانات الصحيحة، وتؤهله لتشكيل بنية فكرية منيعة قوية تقيه التضليل؛ ليبقى الوعي المجتمعي منكشفًا أمام التدفقات الموجهة التي تستغل غياب الرؤية بعيدة المدى لتمرير مخططاتها الرامية إلى إضعاف جبهة الدفاع الفكري الأولى عن مقدرات الوطن وثوابته.
يؤدي العجز عن تقديم تحليلات موضوعية مبسطة تلمس وجدان المواطن البسيط وتثير تفكيره السديد إلى النخبوية وشخصنة الطرح الفكري، وانزلاق بعض المنصات أو القامات نحو الصراعات والمنازلات والحسابات الخاصة، بالتوازي مع اتساع الفجوة المعرفية الرقمية والقيمية بين التطور التقني المتسارع للكتائب الإلكترونية، وبين ضعف تعميق الفقه التاريخي والجغرافي والعقيدة الوسطية، الأمر الذي يعمق التراجع القيمي، ويعطل تشكيل درع حصين يحمي الأفراد من الوقوع في شرك السيولة المعرفية الزائفة.
يؤدي غياب الحصانة المعرفية والمؤسسية إلى وقوع الفرد في مستنقع الأمية السياسية؛ نتيجة العزوف والجهالة المقصودة؛ فيتجنب بذل الجهد في التفسير والاستنتاج مع ضعف الاهتمام بما يدور على الساحات المحلية والإقليمية والدولية، فضلًا عن العزوف عن طالع المعلومات من مصادر الدولة الرسمية الموثوقة، الأمر الذي يصنع حاجزًا سميكًا يعزل الوعي الفردي عن معايشة الواقع الوطني، ويترك الساحة مفتوحة للتأويلات العشوائية التي تضعف الانتماء وتغيب العقل عن قضاياه المصيرية.
يتسع الخلل مع العجز عن القراءة الموضوعية للمشهد بسبب ضعف فهم النصوص الدستورية وقوانين الدولة والقصور في إدراك غايات القرارات السياسية العليا، مما يعوق تحليل القضايا واستنباط العوامل المؤثرة فيها، لينتهي الأمر بالانقياد الأعمى للمنابر غير المنضبطة والتحول إلى فريسة سهلة للإعلام الموجه والكتائب الإلكترونية التي تعتمد كليًا على جهل المتلقي من الناحية السياسية لتمرير مغالطاتها وهدم ركائز التماسك الفكري، وتكريس التبعية العمياء للأطروحات المضللة والخبيثة.
ينتج عن تلاقي التزييف الممنهج مع الأمية السياسية نمط وجداني ونفسي معوق للشأن العام يؤسس لتنامي مشاعر الإحباط والاحتقان، إثر تعمد زرع اليأس وفقدان الأمل وتبديل النظرة الإيجابية تجاه المستقبل إلى حالة من التشتت والترقب والتخوف الدائم، لتتحول الحالة النفسية للمواطن إلى جدار عازل يمنعه من التفاعل الإيجابي مع محيطه، ويجعله مستسلمًا للأوهام التي تبثها منصات الهدم بغية تفكيك قوى المجتمع الحية وإجهاض مساعي النهوض ومبادرات الإصلاح.
يتعاظم الخطر بـفقدان الثقة المطلق بالدولة عبر تعميق التشكيك في مؤسسات الدولة وقنواتها الشرعية وفي غايات النظام السياسي وجدوى جهوده المبذولة، مما يقود صوب تسييد نزعة الانتقاد والمنفعة الأنانية وتحول المواطن إلى ناقد ساخط يلقي بتبعات الأزمات كافة على عاتق الدولة ومؤسساتها، مع حصر جل اهتمامه في المنفعة المباشرة والاحتياجات الآنية دون التفكير في النتائج والتبعات المستقبلية، الأمر الذي يدمر ركائز الانتماء والعمل التشاركي البناء.
تؤدي هذه الحلقات المتسلسلة في النهاية إلى أزمات عميقة تهدد كيان الدولة عبر إفراغ المشاركة السياسية من مضمونها، مما يرسخ اتجاهات سلبية حيال الحقوق الدستورية كالتصويت والتمثيل الانتخابي ليعزف المواطن عن المشاركة ظنًا منه بعدم وجود ديمقراطية أو حرية حقيقية، لينتقل مباشرة صوب الوقوف في مربع السلبية والانسحاب؛ فيتحول الرأي العام من الاصطفاف خلف الدولة وإدارتها الوطنية إلى معارض أو منسحب سلبي، يكتفي بتوجيه النقد اللاذع للمحافل الوطنية المختلفة.
يصاحب ذلك الانسحاب هتك النسيج المجتمعي وتوالد التطرف عبر استغلال ضعف الوعي؛ لتمرير مفاهيم مغلوطة تحض على العنف والخروج عن سياق الجماعة الوطنية، والتوجه لهدم مؤسسات الدولة، مما يشكل بيئة خصبة لولادة أفكار الإرهاب بمختلف تنوعاته، الأمر الذي يفضي حتمًا إلى تقويض التنمية الشاملة والنهضة والإطاحة بجهود التنمية، غيابًا للوعي السياسي الإيجابي الذي تشترطه التجارب الدولية كشريك أصيل وداعم رئيس لمراحل تقدم الدول ونهضتها الشاملة.