خرجت لشراء فساتين لبنات شقيقها الشهيد فعادت إليهن شهيدة.. حكاية «هداية البطريخي» اغتالها الاحتلال أمام أعين اليتيمات في السوق عشية عيد الأضحى..العمة خرجت لتزرع الفرح في قلوب البنات فعاد الأطفال يحملون الفقد

الأربعاء، 27 مايو 2026 06:09 م
خرجت لشراء فساتين لبنات شقيقها الشهيد فعادت إليهن شهيدة.. حكاية «هداية البطريخي» اغتالها الاحتلال أمام أعين اليتيمات في السوق عشية عيد الأضحى..العمة خرجت لتزرع الفرح في قلوب البنات فعاد الأطفال يحملون الفقد هداية البطريخي

كتب أحمد عرفة

قبل يوم واحد فقط من حلول عيد الأضحى، كانت الفلسطينية هداية نايف البطريخي تحاول أن تنتزع من قلب الحرب لحظة فرح صغيرة لأطفال أنهكهم اليتم والخوف والفقد، فلم تكن تدرك أن رحلتها الأخيرة إلى السوق ستتحول إلى واحدة من أكثر المشاهد الإنسانية وجعا في غزة، واسمها سيبقى شاهدا على عيد يذبح فيه الفرح قبل الأضاحي.

 

العمة تشترى هدايا لبنات شقيقها الشهيد

العمة هداية، التي فقدت شقيقها شهيدا خلال الحرب، حاولت أن تحمل عن بناته بعض هذا الحزن الثقيل الذي استقر في أعينهن منذ رحيل والدهن، فأخذتهن إلى السوق لشراء ملابس العيد، في محاولة بسيطة لكنها عظيمة المعنى، لتقول لهن إن الحياة لم تنته بالكامل، وإن العيد ما زال يمكنه أن يطرق أبواب الأطفال ولو وسط الركام والدخان.

الشهيدة هداية نايف البطريخي
الشهيدة هداية نايف البطريخي

 

كانت تسير إلى جانب الطفلات وكأنها تحاول أن تؤدي دور الأب والأم معا، تراقب ضحكاتهن الخافتة، وتسأل كل واحدة منهن عما تحبه من ألوان وفساتين، وتحاول بكل ما تملك أن تزرع شيئا من الطمأنينة داخل قلوب أنهكتها الحرب، لم تكن الرحلة مجرد شراء ملابس جديدة، بل كانت محاولة لترميم أرواح صغيرة تصدعت مبكرا تحت أصوات القصف وصور الشهداء والبيوت المدمرة.

داخل السوق، دخلت البنات أحد محال الملابس يتأملن الثياب المعلقة ويقارن بين الألوان، للحظات قصيرة بدت الطفولة وكأنها استعادت أنفاسها، وكأن الحرب ابتعدت قليلا عن المكان، بينما بقيت العمة هداية في الخارج تنتظرهن، تحمل أكياسا صغيرة وأحلاما أكبر من قدرة غزة المنهكة على الاحتمال.

 

قصف إسرائيلي داخل السوق

الحرب التي تطارد الفلسطينيين حتى في تفاصيل فرحهم الصغيرة، لم تمنح هذه العائلة المكلومة فرصة النجاة من الحزن مرة أخرى، ففي لحظة خاطفة، دوى القصف الإسرائيلي في المكان، وتحولت أصوات السوق إلى صراخ وفوضى وركض ودماء، خرج الأطفال من محل الملابس وهن يفتشن بعيون مرتبكة عن عمتهن، لكنهن لم يجدن سوى جسدها الشهيد ملقى على الأرض.

وأعلنت وزارة الصحة في غزة، سقوط 11 شهيدا في غارات إسرائيلية على مناطق عدة بالقطاع منذ صباح اليوم الأول من عيد الأضحى، فيما أكد المكتب الإعلامي الحكومي، أنه منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وحتى عشية عيد الأضحى، وعلى مدار (227) يوما، ارتكب الاحتلال 3005 خروقات وانتهاكات جسيمة للاتفاق، تنوعت بين عمليات قصف واستهداف مباشر للمدنيين، وإبادة مربعات سكنية كاملة، وإطلاق نار متكرر، إضافة إلى توغلات داخل المناطق السكنية.

 

خروقات الاحتلال

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد 910 فلسطينيا، وإصابة 2747 آخرين بجراح متفاوتة، واختطاف واعتقال 82 آخرين من قبل قوات الاحتلال، لافتا إلى أنه فيما يتعلق بالجانب الإنساني والإغاثي، فقد دخل إلى القطاع 49,973 شاحنة فقط من أصل 135,600 شاحنة كان من المفترض دخولها، بنسبة التزام لم تتجاوز 36%.

ويؤكد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، أن حي الرمال بمدينة غزة تعرض لحزام ناري عشية عيد الأضحى، قائلا :" فرقنا تواصل جهودها لانتشال الضحايا في قصف على حي الرمال.

ويضيف أنه لا يوجد وقف حقيقي لإطلاق النار في غزة والقصف مستمر والقتل متواصل، لافتا إلى أن جيش الاحتلال نفذ 2800 خرق لوقف إطلاق النار، ويستهدف العناصر المدنية المكلفة بحماية الأمن في القطاع.

ويتابع :" يتقرب العالم إلى الله في عيد الأضحى بالذبائح والوقوف على صعيد عرفة، ويتقرب أهل غزة إلى الله بدماء أطفالهم ونسائهم، وبصبرهم تحت القصف والجوع والخذلان".

كانت الصدمة أكبر من قدرة الأطفال على الفهم، فالفتيات اللواتي فقدن والدهن من قبل، وجدن أنفسهن أمام فاجعة جديدة، وكأن الحرب تصر على أن تنتزع منهن كل يد تحاول احتضانهن أو حمايتهن أو التخفيف عنهن، العمة التي خرجت لتشتري لهن ملابس العيد، عادت إليهن شهيدة، وتركت خلفها أكياس العيد الملطخة بالدم وقلوبا صغيرة ستظل تطاردها تلك اللحظة ما بقي العمر.

 

لم تمت هداية نايف البطريخي فقط كامرأة فلسطينية أخرى تسقط تحت القصف، بل استشهدت وهي تؤدي دورا إنسانيا نبيلا، تحاول أن تعوض أطفالا عن غياب أبيهم، وأن تصنع لهم ذكرى دافئة وسط هذا الخراب الهائل، رحلت وهي تحمل هم اليتيمات وفرحتهن المؤجلة، لتصبح قصتها صورة موجعة لعيد غزة، حيث تتحول الأسواق إلى ساحات موت، وملابس الأطفال إلى كفن جديد للحكايات المكسورة.

وفي غزة، لم يعد العيد موعدا للبهجة كما كان، بل صار موسما تستيقظ فيه الذاكرة على أسماء الشهداء وصور الغائبين، فيما يكبر الأطفال على أصوات الطائرات بدل التكبيرات، وعلى مشاهد الوداع بدل فرحة الملابس والهدايا، وبين كل هذه المآسي، تبقى قصة هداية البطريخي شاهدة على حجم الألم الإنساني الذي يعيشه الفلسطينيون، وعلى نساء يحاولن حماية ما تبقى من طفولة الأطفال بأجسادهن وأرواحهن، حتى اللحظة الأخيرة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة