د. بوسي عبد العال تكتب: من المقارنة إلى الانتقام.. الوجه المظلم للغيرة بين الشباب

الثلاثاء، 19 مايو 2026 06:56 م
د. بوسي عبد العال تكتب: من المقارنة إلى الانتقام.. الوجه المظلم للغيرة بين الشباب د. بوسي عبد العال

في زمن أصبحت فيه الحياة تُعرض على الشاشات أكثر مما تُعاش على أرض الواقع، لم تعد المقارنة مجرد شعور عابر، بل تحولت إلى أسلوب تفكير يومي يستهلك مشاعر كثير من الشباب دون أن يشعروا.
كل شخص يرى نجاحات الآخرين، صورهم، إنجازاتهم، علاقاتهم، مظاهر حياتهم، لكنه لا يرى أوجاعهم أو معاركهم الخفية. وهنا تبدأ الأزمة.
لم تعد الغيرة مجرد رغبة في أن نكون أفضل، بل تحولت عند البعض إلى غضب داخلي، ثم إلى حقد صامت، وأحيانًا إلى رغبة حقيقية في الانتقام أو إسقاط الآخر.
المقارنة… البداية التي لا تبدو خطيرة.
المشكلة لا تبدأ بالكراهية، بل تبدأ بسؤال بسيط يتكرر داخل العقل: "لماذا هو وليس أنا؟"
في البداية، يبدو الأمر طبيعيًا.
الإنسان بطبيعته يقارن نفسه بغيره، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المقارنة من وسيلة للتطوير… إلى وسيلة لتعذيب الذات.
الشاب الذي يشعر بأنه متأخر، أو أقل حظًا، أو غير مرئي، يبدأ تدريجيًا في النظر لنجاح الآخرين باعتباره إهانة شخصية له، لا مجرد اختلاف في الظروف أو المسارات.
ومع الوقت، يتحول الإعجاب إلى ضيق… ثم إلى كراهية مكتومة.
عصر الاستعراض… والضغط النفسي الخفي
وسائل التواصل الاجتماعي صنعت بيئة مثالية لتضخيم هذا الشعور.
الكل يبدو ناجحًا، سعيدًا، محبوبًا، ومتقدمًا.
صور، سيارات، علاقات، سفر، احتفالات، إنجازات… وكأن الجميع يعيش حياة كاملة بلا مشاكل.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أننا نرى “الواجهة” فقط.
نرى اللحظات المنتقاة بعناية، لا الواقع الكامل.
ومع التكرار اليومي، يبدأ بعض الشباب في الشعور بأنهم خسروا سباقًا لم يفهموا قواعده أصلًا.
عندما تتحول الغيرة إلى عداء
الشخص غير المتوازن نفسيًا لا يكتفي بالحزن على نفسه، بل يبدأ في مراقبة الآخرين بغضب.
ينتظر سقوطهم، يقلل من نجاحهم، يشكك في مجهودهم، أو يحاول إيذاءهم نفسيًا واجتماعيًا.
وهنا تتحول الغيرة إلى شيء أخطر:
الرغبة في الانتقام من شخص لم يرتكب ذنبًا سوى أنه نجح أو تميز.
بعض أشكال الانتقام تكون بالكلام، بالشائعات، بالتشويه، بالخيانة، أو بمحاولات متعمدة للهدم والإفشال.
وفي بعض الحالات الأكثر خطورة، قد تتحول المشاعر المضطربة إلى سلوك عدائي حقيقي.
لماذا يحدث ذلك؟
الغيرة المدمرة غالبًا لا تأتي من قوة… بل من هشاشة داخلية.
من شعور بالنقص، أو فشل غير معالج، أو إحساس دائم بعدم القيمة.
الشخص المستقر نفسيًا قد يتألم أو يغار للحظة، لكنه يحول ذلك إلى دافع للتطور.
أما الشخص الممتلئ بالغضب الداخلي، فيرى نجاح غيره تهديدًا يكشف ضعفه هو.
وهنا تكمن المأساة:
بدلًا من بناء نفسه، يبدأ في محاولة هدم الآخرين.
الأخطر… أن الكراهية تُخفى خلف الابتسامات
ليس كل حاقد يظهر عداءه بوضوح.
بعضهم يقترب أكثر، يراقب أكثر، يبتسم أكثر… بينما يحمل بداخله مشاعر سامة تتضخم بصمت.
ولهذا أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا.
لأن بعض الناس لم يعودوا يتألمون من فشلهم فقط، بل من نجاح غيرهم أيضًا.
كيف نحمي أنفسنا؟
أول خطوة هي أن نفهم أن الحياة ليست سباقًا موحدًا.
لكل إنسان ظروفه، معاركه، وتوقيته المختلف.
التوقف عن المقارنة العشوائية ضرورة نفسية، لا رفاهية.
كما أن بناء القيمة الذاتية من الداخل يقلل من الحاجة المستمرة لإثبات التفوق على الآخرين.
والأهم…
أن نتعلم كيف نفرح لأنفسنا دون أن نحترق بسبب غيرنا.
في النهاية…
الغيرة شعور إنساني طبيعي، لكن حين تُترك دون وعي أو علاج، قد تتحول إلى نار تحرق صاحبها قبل غيره.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تتفوق على الناس…
بل أن تنتصر على الجزء المظلم بداخلك،
ذلك الجزء الذي يظن أن إسقاط الآخرين سيرفعه هو.
لأن الإنسان الذي يعرف قيمته…
لا ينشغل بتحطيم غيره، بل ببناء نفسه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة