يعد مشروع الدلتا الجديدة واحدا من أهم المشروعات القومية، والمكتسبات الكبرى التى تحققت خلال السنوات الأخيرة، وما كان للمشروع أن يرى النور بهذا الحجم إلا بفضل المتابعة الدقيقة والاهتمام المستمر من الرئيس السيسى منذ انطلاق فكرته فى عامى 2017 و2018، وحتى تأسيس جهاز مستقبل مصر المشرف على المشروع.
ويمثل مشروع الدلتا الجديدة أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التى تراهن عليها الدولة المصرية لإحداث نقلة نوعية فى قطاع الزراعة والتصنيع الغذائى، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطنى على تحقيق التنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة، ولذلك سعى جهاز مستقبل مصر لوضع تصور تنموى متكامل، يحقق استثمارا مستداما، واستغلالا أمثل للمحفظة الاستثمارية، بما يجعلها قابلة لتحقيق الربح الآمن، وفق تقلبات السوق، وبالتعاون مع شركاء لهم صفة الجدية، والتعامل الأمثل مع تلك النوعية من الاستثمارات.
مستقبل مصر.. تنمية مستدامة بالشراكة مع القطاع الخاص
يأتى المشروع تحت إشراف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذى يقود مجموعة من المشروعات التنموية القائمة على التكامل بين الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، ضمن رؤية تستهدف دعم الاقتصاد الوطنى وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يعتمد المشروع على مفاهيم التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر من خلال إعادة استخدام المياه، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطبيق نظم التشغيل الذكية، والتوسع فى الزراعة المستدامة، كما تعاون الجهاز مع القطاع الخاص بصورة منفتحة، جعلت رئيس الجهاز الدكتور بهاء الغنام، يؤكد على فلسفة التخارج الجزئى، باعتباره ضمن مفهوم عام بعدم الاستحواذ على دور القطاع الخاص، وهى المسارات التى تطمئن القطاع الخاص، وتجعله مقبلا على المشروع، بما يحقق له الفائدة على المدى الطويل.

أجهزة الدولة فى الصورة
مشروع الدلتا الجديدة يمثل نموذجا تنمويا متكاملا، بعدما تطور من مجرد مشروع زراعى إلى مشروع شامل يضم التصنيع الزراعى ومراحل ما قبل الزراعة وما بعدها، بما يعكس حجم التخطيط والرؤية الاستراتيجية للدولة، كما أن الأرقام التى تم الإعلان عنها تؤكد ضخامة المشروع، وحجم الجهود التى بذلتها مؤسسات الدولة المختلفة، وفى مقدمتها وزارات الزراعة والكهرباء والرى، فكل جهة شاركت بدور كبير لتحقيق هذا الإنجاز القومى، بكل أرقامه الـ800 مليار، والتى من المتوقع أن تتعاظم مع انضمام المشاريع الجديدة، فى قطاع التصنيع الزراعى، بالإضافة للمجالات التنموية ذات الصلة المباشرة بخطوط العمل فى المشروع.
2 مليون فرصة عمل بالمشروع
فى حديث الرئيس السيسى، وقت افتتاح المشروع، أكد أنه يوفر نحو مليونى فرصة عمل بما يعكس البعد الاقتصادى والاجتماعى للمشروع، بالإضافة إلى استصلاح وزراعة مليونى فدان يعنى بالضرورة توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لملايين المواطنين، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ودعم خطط التنمية المستدامة وتحقيق الأمن الغذائى، وهذا الجهد المتواصل من الدولة المصرية لم يكن صدفة، بل هو خطة استراتيجية مستدامة، وتكونت فيها أفكار وأحلام، وواقع إجرائى يستطيع مواكبة تلك الخطوات.
جهود متواصلة
أيضا شرح الرئيس السيسى، فلسفة المشروع، مؤكدا أن السياق فى تأسيس واستدامة المشروع لم يكن مجرد قرار، بل هو جهد متصل، تضافرت فيه المؤسسات، وواجهت العقبات. وتلك العقبات من المؤكد أنها ليست مالية فقط، بل هناك مساحة أرض ضخمة تم فيها مد ترع ومسارات مياه وكهرباء وطرق، وقد طلب الرئيس السيسى من الدكتور هانى سويلم، وزير الرى والموارد المائية، عرض التفاصيل الخاصة بمحطات الرى وتوفير المياه لمشروع الدلتا الجديدة، قائلا: «مهم أوى الناس تعرف إن المشروع ده علشان يتعمل، وهو مشروع كبير للغاية؛ أُقيمت به المحطات والشبكات والمسارات، وشبكة الكهرباء والمحولات، بالإضافة لتوفير الطاقة اللازمة لكل تلك الأعمال»، وهو ما شرحه وزير الرى أمام الحاضرين، والمشاهدين للبث التليفزيونى، واعتمد فى شرحه على طرح مصادر المياه سواء السطحية أو القادمة من المعالجة للصرف، والمياه الجوفية.

جهد جبار يجب أن يعرفه الجميع
هناك نقطة جوهرية للغاية، طرحها الرئيس السيسى، وتستدعى تفصيلا كاملا من الخبراء الزراعيين، وخبراء شق الطرق، وكذلك القائمين على شؤون المياه فى مصر، فقد قال الرئيس نصا «عاوز أقولكم علشان ناخد مياه الصرف الزراعى.. 150 كيلو مسار تم حفره وتجهيزه ينقل المياه إلى محطة 3 يوليو «الدلتا الجديدة».. هذه المياه من قبل كانت تنزل فى البحر المتوسط.. وتم استخدامها فى الزراعة.. وتم إنشاء طرق جديدة بأطوال تصل إلى 12 ألف كم»، وهى النقطة الشارحة لحجم المجهود، الذى يذهب لتوفير المياه بمعالجة ثلاثية ويتم الحصول على كل مياه الصرف الزراعى عكس اتجاه الجاذبية، وتم توفير محطات رفع عملاقة، وهى الفكرة التى تعتمد على رفع المياه وفق علم هندسى كبير، ومتابعة دؤوبة لعدد كبير من المحطات.
الأمل والعمل خطة نجاح الدلتا الجديدة
فى نقطة أخرى، قدم الرئيس السيسى، فلسفة إدارة مصر من خلال تناوله لخطة عمل الدلتا الجديدة، فالأحلام وحدها لا تحقق المطلوب، بل يجب توفر فلسفة إجرائية، وعمل متواصل يحقق تلك الأحلام، لذلك قال الرئيس السيسى، خلال كلمته فى افتتاح المشروع: عملية التنمية محتاجة جهد وعمل وإخلاص من كل الأجهزة.. الأمل والعمل.. مش الأمل بس.. علشان يتعمل الكلام ده فى العصر الحديث.. من 200 سنة وأكثر حبوا يعملوا نظام الرى أيام محمد على.. أنا قولت الكلام ده قبل كده.. استخدم مسارا طبيعيا خالصا للمياه وشق الترع والمصارف.. وفق تدرج طبيعى للمياه.. لا كان محتاج كهرباء أو معدات رفع.. والمياه فى مسارها.. مفيش تانى ومفيش أماكن تانى.. اتحركنا واشتغلنا عكس قوانين الطبيعة «من الواطى إلى العالى».. نجمع المياه وتنزل بعد كده من أجل زراعة نحو 450 - 500 ألف فدان.
المحاصيل الاستراتيجية.. أكثر من 250 شركة زراعية
وفى صميم عمل الدلتا الجديدة، دعم جهاز مستقبل مصر بشكل خاص المحاصيل الاستراتيجية، وفى مقدمتها القمح وبنجر السكر والكتان، بهدف دعم الأمن الغذائى وتقليل الواردات، مع التوسع فى الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعى، ويشارك فيه أكثر من 250 شركة زراعية واستثمارية فى تنفيذ المنظومة الزراعية داخل المشروع، فى نموذج للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص فى مجال التنمية الزراعية والإنتاجية، مما يعتبر معه أن مشروع الدلتا الجديدة أحد أكبر المشروعات القومية التى تنفذها الدولة المصرية، فى إطار خطة تستهدف تعزيز الأمن الغذائى، وزيادة الرقعة الزراعية، وبناء مجتمعات إنتاجية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والتوسع فى التصنيع الزراعى.

مدينة مستقبل مصر الصناعية
فى إطار تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعى، تم إنشاء مدينة مستقبل مصر الصناعية، التى تضم مصانع للعصائر والخضراوات والفواكه المجمدة والمركزات والسكر والنشا والجلوكوز والأعلاف والمنتجات الغذائية المختلفة، إلى جانب ثلاجات التبريد والتجميد ومحطات التعبئة والتغليف، كما يشمل المشروع إنشاء مركز «سفنكس» لتجارة المحاصيل، الذى يوصف بأنه أكبر سوق متكامل لتجارة الحاصلات الزراعية فى الشرق الأوسط، ويضم أسواقا متخصصة ومحطات فرز وتعبئة ومخازن مبردة وبورصة للحاصلات الزراعية ومركزا للمال والأعمال.
يربط بين محافظات مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم
يقع مشروع الدلتا الجديدة غرب الدلتا القديمة بامتداد محور الشيخ زايد، ليربط بين محافظات مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم، على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان، بما يجعله واحدا من أكبر مشروعات التوسع الزراعى فى العالم، ومن المتوقع أن يسهم فى توفير فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فى إطار خطة الدولة لإنشاء مجتمعات تنموية جديدة ودعم الاقتصاد الإنتاجى.
كما يستهدف المشروع تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية، وتقليل الفجوة الاستيرادية، إلى جانب دعم منظومة التصنيع الزراعى، وتعظيم القيمة المضافة للإنتاج، وإنشاء مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة، فضلا عن توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، معتمدا على منظومة متطورة للزراعة الذكية تشمل نظم الرى الحديث بالتنقيط والرى المحورى، إلى جانب استخدام أنظمة التحكم الرقمى والاستشعار عن بُعد لإدارة عمليات الرى والتسميد، بما يسهم فى رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة وتقليل الفاقد.
منظومة متكاملة تضم المياه السطحية
فى ملف الموارد المائية، يعتمد المشروع على منظومة متكاملة تضم المياه السطحية، ومياه الصرف الزراعى المعالج، والمياه الجوفية، حيث يتم توفير نحو 10 ملايين متر مكعب يوميا من المياه السطحية، و7.5 مليون متر مكعب يوميا من مياه الصرف الزراعى المعالج، ولذلك شهدت الدلتا الجديدة تنفيذ بنية تحتية ضخمة تضمنت إنشاء 697 كيلومترا من القنوات المفتوحة، و9100 كيلومتر من خطوط المواسير، إلى جانب 28 محطة رفع رئيسية، وتشغيل 8100 جهاز رى محورى، وإنشاء شبكة طرق بطول 12 ألف كيلومتر، كما شملت أعمال البنية التحتية تنفيذ 18 محطة محولات كهربائية بقدرات تصل إلى 2051 ميجا فولت أمبير، وإنشاء شبكات كهرباء تضم 121 ألف عمود كهرباء بأطوال تصل إلى 19 ألف كيلومتر.
محطة نبع.. منظومة نقل مياه متطورة
تعد محطة الرفع الرئيسية رقم 3، المعروفة باسم «نبع»، إحدى الركائز الأساسية فى منظومة نقل المياه داخل المشروع، حيث تصل قدرتها إلى رفع نحو 9.75 مليون متر مكعب من المياه يوميا، وتخدم مساحة زراعية تقدر بنحو 470 ألف فدان، وتضم المحطة منظومة تشغيل وتحكم رقمية متكاملة مرتبطة بنظام SCADA، بما يسمح بالإدارة اللحظية لكل العمليات التشغيلية، فضلا عن تجهيزها بأحدث أنظمة الحماية والتأمين ضد اضطرابات الكهرباء.
نجاح فى تجاوز التحديات الخاصة
فى نقطة مهمة أكدها العقيد دكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذى لجهاز «مستقبل مصر» للتنمية المستدامة، أن مشروع «الدلتا الجديدة» نجح فى تجاوز التحديات الخاصة بالتعاقدات الداخلية والخارجية لتنفيذ هذا الحجم الهائل من البنية التحتية، تنفيذا لرؤية القيادة السياسية بتهيئة «الدلتا الجديدة» لتكون منطقة مستدامة تستغل الموقع الجغرافى المتميز لمصر، وهى نقطة مفصيلة تفسر كل الجهد الذى تم فى الفترة الماضية لتذليل العقبات، وتدل عليها الأرقام منها تنفيذ شبكة طرق داخلية يبلغ طولها 12 ألف كيلومتر، وإنشاء محطات كهرباء بقدرة 2000 ميجاوات، مدعومة بـ18 محطة محولات، وتركيب 121 ألف عمود كهرباء، وتأسيس شبكات كهرباء وموزعات ضخمة، وصب أكثر من 4 ملايين متر مكعب من الخرسانة فى مختلف أرجاء المشروع.
وفى تفسيره لمنظومة العمل بالدلتا الجديدة، أشار «الغنام» إلى أن المشروع لا يقتصر على الزراعة، بل يهدف إلى خلق كتلة زراعية متصلة تتلافى السلبيات التى عانت منها الدلتا القديمة، مع تأسيس أسواق تجارية ضخمة تسهم بشكل مباشر فى توفير ملايين فرص العمل والحد من البطالة، لأن الهدف الأساسى هو مواجهة الزحف العمرانى من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية حديثة لا تتداخل مع الرقعة الزراعية.
