من الإسلام السياسي إلى الخلافة الدموية.. كيف أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ربط الإخوان وداعش باعتبارها المنبع الفكري الأول للإرهاب؟.. أبرز منظري الحركات المتطرفة خرجوا من رحم الجماعة وتأثروا بسيد قطب

السبت، 16 مايو 2026 06:00 م
من الإسلام السياسي إلى الخلافة الدموية.. كيف أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ربط الإخوان وداعش باعتبارها المنبع الفكري الأول للإرهاب؟.. أبرز منظري الحركات المتطرفة خرجوا من رحم الجماعة وتأثروا بسيد قطب الإخوان وداعش

كتب أحمد عرفة

في تحول لافت داخل العقيدة الأمنية الأمريكية، أعادت الإدارة الأمريكية عبر الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي نشرها البيت الأبيض، صياغة مقاربتها لملف الإرهاب العابر للحدود، ليس فقط عبر التركيز على التنظيمات المسلحة التقليدية مثل تنظيمي القاعدة وداعش، بل عبر ربطها فكريا وتنظيميا بجماعة الإخوان، باعتبارها الجذر الأيديولوجي الذي انطلقت منه معظم الحركات الجهادية الحديثة، هذا الربط لا يمثل مجرد توصيف سياسي عابر، بل يعكس تحولا استراتيجيا في فهم واشنطن لبنية الإرهاب العالمي، من مواجهة النتائج إلى استهداف المنابع الفكرية.

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تنطلق من فرضية مفادها أن الجماعات الإرهابية المسلحة لم تنشأ من فراغ، بل استندت إلى منظومة فكرية تأسيسية صنعتها حركات الإسلام السياسي العابرة للحدود، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، التي تبنت منذ تأسيسها عام 1928 فكرة "أستاذية العالم" وإقامة الدولة الدينية كهدف سياسي مركزي.

وبينما قدمت الجماعة نفسها لعقود باعتبارها حركة دعوية وسياسية، فإن الأدبيات الأمريكية الجديدة ترى أن البنية الفكرية التي أرستها وفرت الأرضية العقائدية التي تطورت لاحقا إلى نماذج أكثر عنفًا مثل القاعدة وداعش.

حسن البنا

داعش والإخوان

تكمن دلالة هذا الربط في أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الإرهاب بوصفه مجرد فعل مسلح، بل باعتباره سلسلة متصلة تبدأ من الأيديولوجيا وتنتهي بالعنف المسلح، فتنظيم داعش، الذي أعلن "الخلافة" عام 2014، لم يأت بمفاهيم جديدة بالكامل، بل استند إلى مفاهيم مثل الحاكمية، والولاء والبراء، ورفض الدولة الوطنية، وهي أفكار تشكلت داخل تيارات الإسلام السياسي منذ عقود، وإن اختلفت مستويات التطبيق بين التنظيمات.

داعش

 

العلاقة بين الإخوان والتنظيمات الجهادية

تاريخيا، العلاقة بين الإخوان والتنظيمات الجهادية أكثر تعقيدا من مجرد انشقاقات تنظيمية، فعدد من أبرز منظري الحركات المتطرفة خرجوا من رحم الجماعة أو تأثروا بأدبياتها، يأتي في مقدمتهم  سيد قطب، الذي تحولت كتاباته إلى مرجع أساسي للتنظيمات الإرهابية، خاصة مفهوم "جاهلية المجتمع" وشرعية الصدام معه، واستندت تنظيمات مثل القاعدة إلى أفكار قطب بوصفها أساسا شرعيا لمشروعها المسلح، بينما نقل داعش هذه الأفكار إلى أقصى درجات التطبيق الدموي.

أما على مستوى التعاون الميداني، فقد شهدت مناطق النزاع، خاصة في سوريا وليبيا، تداخلات بين أجنحة محسوبة على الإخوان وفصائل ذات صلات بتنظيمات جهادية متشددة، سواء عبر التنسيق اللوجستي أو التلاقي المرحلي ضد خصوم مشتركين، ورغم أن هذا التعاون لم يكن دائما معلنا أو مؤسسا، فإنه عزز لدى دوائر صنع القرار الغربية قناعة بوجود منطقة رمادية بين الإسلام السياسي والعمل الجهادي.

سيد قطب

 

إدراج الإخوان ضمن الإطار الفكري للإرهاب يمثل تطورا سياسيا وقانونيا بالغ الأهمية، لأنه قد يمهد لتوسيع دائرة العقوبات والتصنيفات الإرهابية لتشمل فروعا وشخصيات مرتبطة بالجماعة، وليس فقط التنظيمات المسلحة، وسبق أن بدأت الإدارة الأمريكية بالفعل إجراءات لدراسة تصنيف بعض فروع الجماعة كمنظمات إرهابية أجنبية، في خطوة تؤشر إلى انتقال هذا التصور من التنظير إلى التطبيق التنفيذي.

سياسيا، يحمل هذا الربط رسائل متعددة، أولها أن الولايات المتحدة تعيد تعريف " تهديد الجماعات المتطرفة" ليشمل البنية الفكرية الحاضنة له، وثانيها أن واشنطن تسعى لتجفيف منابع التجنيد والتعبئة قبل تحولها إلى عنف مباشر، كما يعكس هذا التحول توافقا متزايدا مع رؤية عدد من الدول العربية التي طالما اعتبرت الإخوان بوابة أولى نحو التطرف.

الربط الأمريكي بين الإخوان وداعش لا يعبر فقط عن قراءة جديدة لتاريخ الإرهاب، بل عن تحول جذري في فلسفة مكافحته، من مواجهة التنظيمات المسلحة إلى تفكيك المنظومات الفكرية التي تنتجها، وهو تحول قد يعيد رسم خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط، ويفتح مرحلة جديدة في الحرب العالمية على الإرهاب، عنوانها ملاحقة الفكرة قبل الرصاصة.
ويوضح عمرو فاروق الباحث في شؤون الجماعات الأصولية ، أن الاستراتيجية الأمريكية تظهر تغيير في رؤية الإدارة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان عبر ثلاثة مستويات أولها الوصف الحركي من أن الجماعة استخدمت الدين كستار لتمرير مشروعها في الوصول إلى السلطة وبناء النفوذ والسيطرة في العمق العربي والأوروبي.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التغيير الثاني يتمثل في الوصف الفكري، من كونها اعتبرت الجماعة بمثابة المطلة الفكرية والمصنع الأيديولوجي لنشر الفكر المتطرف بين جماعات التطرف المسلح والعابر للحدود ابتداء من القاعدة إلى داعش وغيرهما، ويضم التغيير الثالث الوصفي الوظيفي أو الدور الوظيفي، في ظل التخلي أو التراجع عن استخدام الجماعة كأحد أوراق الضغط على النظم السياسية وبناء السياسات الإقليمية.

عمرو فاروق

 

ويؤكد أن الاستراتيجية قطعت الطريق أمام المؤسسات البحثية والدبلوماسية التي ترى أن الجماعة تختلف عن التنظيمات الجهادية المسلحة، وأنها يمكن أن تشارك في الحياة السياسية ضمن قواعد الديمقراطية،  وسيادة موقف الدوائر الأمنية والمحافظة الأمريكية من أن الجماعة تمثل "الأصل الفكري" للتنظيمات الإرهابية الحديثة، وأن أدبياتها أسهمت في إنتاج العنف والتكفير والعداء للدولة الوطنية، استنادا على التاريخ الممتدة مع الجماعات الأصولية المسلحة.

ويشير فاروق إلى أن الاستراتيجية تطرقت الى فكرة التخلي عن وصف الجماعة بأنها تمثل "الإسلام السياسي المعتدل" والذي كان بمثابة القناع الذي مكن الجماعة من التمدد في الدول الغربية وبناء منظومة من العلاقات مع دوائر صنع القرار، والتوسع في تدشين المؤسسات الإعلامية والدعوية والتجارية والاقتصادية، موضحا أن هذه التحولات تثبت صحة رؤية وموقف الدولة من جماعة الإخوان والتصدي لمشروعها الفكري والحركي وإخراجها من المعادلة السياسية للحكم ومن السياقات الدعوية والاجتماعية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة