في مدرسة ابني بمحافظة الجيزة، أرى يوميًا مع ذهابه وعودته مشهد يستحق التأمل، أطفالا من ذوي الإعاقات البسيطة يدخلون المدرسة معه يتعاملون مع زملائهم، ويتعلمون معهم، ويمارسون يومهم الدراسي، في صورة حقيقية للـ الدمج التعليمي الذي تكفله القوانين والاستراتيجية القومية، ومنها القرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017، الهادف إلى دمج الطلاب ذوي الإعاقات البسيطة في مدارس التعليم العام.
ورغم جمال هذا المشهد الإنساني، يبقى هناك تساؤل يشغلني دائمًا: كيف يشعر هؤلاء الأطفال تجاه نظرات الآخرين؟ وكيف يتعاملون مع اختلاف ردود الأفعال بين التشجيع أحيانًا، والتنمر أو الإحباط أحيانًا أخرى؟ وهل يمتلك الطفل القدرة في كل مرة على شرح حالته لزملائه في الصفوف المختلفة؟ أم أن بعض الأسئلة قد تترك بداخله شعورًا بالضيق أو عدم الارتياح؟
ومن هنا يبرز الدور الحقيقي للأسر، فمسؤولية أولياء الأمور لا تقتصر على تعليم أبنائهم وتحقيق التفوق الدراسي فقط، بل تمتد إلى غرس قيم قبول الآخر واحترام الاختلاف، وتعليمهم أن التميز لا يعني النقص، وأن منح الآخرين مساحة آمنة للتعامل والتعبير حق إنساني قبل أن يكون سلوكًا تربويا حتى مع اختلافاتهم، فالكلمة الطيبة، والنظرة الداعمة، والابتعاد عن السخرية أو التنمر، جميعها أمور قد تصنع فارقًا كبيرًا في نفسية طفل يسعى فقط إلى أن يعيش حياته بصورة طبيعية.
كما أن للمعلمين والأخصائيين النفسيين والتربويين دورًا محوريًا داخل المدارس، من خلال تعزيز ثقافة الدمج، وتوجيه الطلاب إلى أساليب التواصل السليمة مع ذوي القدرات الخاصة، ومساعدتهم على بناء علاقات قائمة على الاحترام والتعاون، بعيدًا عن الشفقة أو الإقصاء.
فالمدرسة ليست مكانا للتعليم فحسب، بل مساحة لبناء الإنسانية، وكلما تعلم أبناؤنا الرحمة والتقبل، أصبح مجتمعنا أكثر لينا وتراحما ونضجًا، واكتسب الجميع خبرات ومهارات إنسانية لا تقدر بثمن.
وهذه هي منهجية الدولة في دعم منظومة الدمج، من خلال المبادرات والفعاليات الرئاسية، والحملات التوعوية، وبرامج المتابعة الصحية والنفسية، التي تؤكد أهمية دمج ذوي القدرات الخاصة في المجتمع، وتمكينهم من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية وآمنة.
كما تسهم هذه الجهود في تعزيز مشاركتهم الفاعلة في الحياة اليومية، وتوفير بيئة داعمة تساعدهم على تطوير شخصياتهم، وتنمية مهاراتهم المتنوعة والفريدة، بما يمنحهم الثقة والقدرة على الإبداع والاندماج الحقيقي داخل المجتمع.