من عبء يُكلف المليارات إلى كنز يدرّ الاستثمارات.. مصر تنجح فى تحويل 30 مليون طن مخلفات سنويًا إلى ركيزة للاقتصاد الدائرى.. دمج وتقنين أوضاع 3 ملايين عامل فى المنظومة البيئية تعد خطوة إنسانية واقتصادية مميزة

الإثنين، 11 مايو 2026 08:00 ص
من عبء يُكلف المليارات إلى كنز يدرّ الاستثمارات.. مصر تنجح فى تحويل 30 مليون طن مخلفات سنويًا إلى ركيزة للاقتصاد الدائرى.. دمج وتقنين أوضاع 3 ملايين عامل فى المنظومة البيئية تعد خطوة إنسانية واقتصادية مميزة مخلفات

كتبت منال العيسوى

لم يعد ملف المخلفات في مصر مجرد قضية بيئية تتعلق بالنظافة العامة، بل تحول في غضون سنوات قليلة إلى حجر الزاوية في استراتيجية الدولة نحو الجمهورية الجديدة الخضراء. وبينما يتجه العالم نحو حلول الاستدامة، استطاعت الدولة المصرية أن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة، محولة ملايين الأطنان من المخلفات من عبء يؤرق الموازنة العامة ويضر بالصحة العامة، إلى مورد اقتصادي ضخم يضخ دماءً جديدة في شريان الاستثمار. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج إصلاحات هيكلية وتشريعية عميقة جعلت من التجربة المصرية نموذجاً يُحتذى به، وتتباهى به الدولة في كبرى المحافل البيئية العالمية، باعتباره تطبيقاً واقعياً لمبادئ الاقتصاد الدائري واستعادة الموارد.

 

القانون 202 ودستور المنظومة الجديدة

البداية الحقيقية لهذه الطفرة كانت بوضع قواعد اللعبة وتحديد المسؤوليات بدقة،  فكان إصدار القانون الموحد لتنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 هو الانطلاقة الكبرى، هذا التشريع لم يكن مجرد بنود قانونية، بل كان خارطة طريق حددت بوضوح الأدوار والمسؤوليات لجميع الأطراف، من الحكومة إلى القطاع الخاص وصولاً إلى المواطن.

لقد وضع القانون آليات واضحة للتمويل المستدام، وأوجد الضوابط اللازمة لعمليات التخطيط والتنظيم والمراقبة، مما أعطى الثقة للمستثمر المحلي والدولي بأن هناك نظاماً مؤسسياً يحمي الاستثمارات ويضمن استمرارية المنظومة بعيداً عن العشوائية، محولاً القطاع من تحدي حضري إلى فرصة استثمارية واعدة.

 

تحديث البنية ودمج عمال النظافة

تعتمد الرؤية المصرية في إدارة هذا الملف على ثلاثة محاور متوازية تعمل في تناغم تام لتحقيق أقصى استفادة من الموارد، وتحديث البنية التحتية،  حيث تسابق الدولة الزمن لإقامة شبكة وطنية متكاملة تشمل مدافن صحية آمنة، محطات وسيطة لتقليل تكلفة النقل، ومصانع للمعالجة الميكانيكية البيولوجية التي تضمن استخلاص أقصى قيمة ممكنة من المواد العضوية والصلبة، ودمج القطاع غير الرسمي في خطوة إنسانية واقتصادية عبقرية، نجحت الدولة في تقنين أوضاع نحو 3 ملايين عامل في مجال المخلفات. هؤلاء الذين كانوا يعملون في الظل، تحولوا اليوم إلى أصل استراتيجي وشريك رسمي في المنظومة، مما وفر لهم حماية اجتماعية وضمن للمنظومة كفاءة تشغيلية عالية، اما البعد الثالث هو الاستدامة المالية حيث لم تعد المنظومة تعتمد على ميزانية الدولة فحسب، بل تم ابتكار آليات تمويل متنوعة تشمل رسوم الخدمة، وتطبيق مبدأ المسئولية الممتدة للمنتج، بالإضافة إلى تعظيم العائد من اقتصاديات المواد المستردة، مما يضمن تدفقات مالية مستقرة للمشاريع.

 

مدينة العاشر من رمضان قلعة تدوير المخلفات الأكبر في الشرق الأوسط

تتجسد ضخامة الطموح المصري في مشروع مدينة العاشر من رمضان المتكاملة للمخلفات،  فعلى مساحة شاسعة تصل إلى 1200 فدان، تنفذ مصر أكبر مجمع من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط. هذا المشروع، الذي يتم بالتعاون مع شركاء دوليين مثل البنك الدولي، يمثل ثورة في معالجة كافة أنواع النفايات في مكان واحد بلدية، طبية، صناعية، ومخلفات هدم وبناء،  إنها رسالة مصرية واضحة للعالم بأن القاهرة تملك القدرة والتقنية لإدارة أعقد الملفات البيئية بأعلى المعايير العالمية، وهو ما يجعلها واجهة استثمارية أولى للشركات العالمية العاملة في هذا المجال.

 

الحوكمة الرقمية والتتبع الذكي للمخلفات

لم تغفل مصر عن مواكبة التحول الرقمي في هذا القطاع، حيث تم إطلاق النظام الوطني لإدارة البيانات والمعلومات (WIMS)،  هذا النظام ليس مجرد قاعدة بيانات، بل هو أداة ذكية تتيح إصدار التراخيص لمزاولة الأنشطة إلكترونياً، وتتبع حركة المخلفات لحظة بلحظة لضمان التخلص الآمن منها ومنع أي تجاوزات بيئية، و هذه الشفافية الرقمية هي الضمانة الأولى لجذب الاستثمارات الأجنبية التي تبحث دائماً عن بيئة عمل واضحة ومنظمة تعتمد على لغة الأرقام والبيانات الدقيقة.

 

ملف الحمأة من ملوث بيئي إلى وقود ومورد زراعي

انتقلت الرؤية المصرية إلى ما هو أبعد من المخلفات الصلبة، لتصل إلى حمأة مياه الصرف الصحي، وهذا الملف الذي كان يمثل تحدياً بيئياً كبيراً، أصبح اليوم سوقاً واعداً للاستثمار في إطار الاقتصاد الدائري، حيث  تسعى الدولة لاستغلال الحمأة المعالجة في مجالات متعددة مثل إنتاج الطاقة الوقود الحيوي، أو استخدامها في أفران الإسمنت، وحتى في قطاعات الزراعة والبناء بعد معالجتها وفق الأكواد العالمية. إنها حلقة مكتملة من استعادة الموارد لا تترك شيئا للضياع، وتحول الملوثات إلى قيمة مضافة للناتج المحلي.

 

الاستثمار فى المخلفات

تفتح مصر ذراعيها للقطاع الخاص المحلي والدولي للمشاركة في سلسلة القيمة المضافة لإدارة المخلفات، وتتنوع هذه الفرص لتشمل مشاريع إنتاج الوقود المشتق من المخلفات (RDF) لتوفير الطاقة للمصانع، وصناعات إعادة تدوير البلاستيك، الورق، المعادن، والمخلفات الإلكترونية التي تمثل "مناجم ذهب" غير مستغلة، وتقنيات تحويل الحمأة إلى طاقة لتقليل الانبعاثات الكربونية، وإدارة المخلفات الذكية القائمة على المنصات الرقمية لتعزيز كفاءة الجمع والنقل.

 

رسالة مصر للمحافل الدولية فى ملف المخلفات

بينما تواصل مصر مسيرتها، تضع نصب أعينها تحويل هذا النجاح المحلي إلى ريادة إقليمية ودولية. إن استعراض هذه الإنجازات في المعارض العالمية الرائدة يؤكد أن الدولة المصرية لا تكتفي بتحسين وضعها البيئي، بل تسعى لتكون "مركزاً إقليمياً" لتكنولوجيا البيئة والاقتصاد الدائري. إن ما يحدث اليوم في ملف المخلفات هو شهادة ميلاد لقطاع اقتصادي أخضر، يثبت أن الإرادة السياسية عندما تلتقي مع التخطيط العلمي، يمكنها تحويل التحديات التاريخية إلى إنجازات استراتيجية تدفع عجلة التنمية المستدامة نحو آفاق غير مسبوقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة