تعرف مصر القديمة بحضارتها الغنية بالتقاليد السحرية، حيث كانت التعاويذ والطقوس جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية. لم يقتصر السحر على الجوانب الروحانية فحسب، بل امتد ليشمل تطبيقات يومية ودينية.
في هذه المقالة، سنتعمق في هذا العالم السحري ونتعرف على جوانبه التاريخية، وتأثيره على حياة المصريين القدماء، وأهميته في عصرنا الحالي، وغير ذلك الكثير.
على سبيل المثال: العروسة الورق هي موروث مصري شعبي، وهي عبارة عن عروسة مصنوعة من الورق، يعتقد أن استخدامها يقي من الحسد أو يُشفى منه.
وعروسة الحسد هي عروسة مصنوعة من الورق، تستخدم للوقاية من الحسد أو للشفاء منه وإبعاد ضرره عن الإنسان، وتعد عادة شعبية مصرية قديمة ظهرت منذ سنوات عديدة واختفت بمرور الزمن.
وقد كان هذا الطقس يقام بإحضار عروسة ورقية ترمز إلى الحاسد، وتغرز فيها الإبرة مرات عديدة، وتبدأ الراقية في ترديد عبارات مثل: "من عين اللي شافوك ولا صلوا على النبي.. من عين فلانة ومن عين فلان..".
وتقوم الراقية بذكر أسماء الأشخاص الذين تظن أنهم قاموا بالحسد، ثم تبخر المحسود بهذه الورقة مع الملح والفسوخة، وبعدها يمر عليها المحسود سبع مرات بعدد أيام الأسبوع المحتمل وقوع الحسد فيها.
وتقوم الراقية أو أي شخص من أهل المحسود بعد ذلك بجمع قدر من القش من أمام سبعة بيوت تحيط ببيت المحسود قبل غروب الشمس، دون أن تكلم أحدا أثناء ذهابها وعودتها، ثم تقوم بحرقه بعدها مع عروسة الحسد.
وبورقة ودبوس وشعلة نار، يجلسون يتلون كلمات على شخص محسود، ويرسمون على الورق أعينا ويشكلونها على هيئة إنسان، ومن ثم يلامسونها بجسد المحسود ويقولون: من عين فلان وفلان، ثم يثقبونها بالدبوس ويشعلون بها النيران، وهي عادات قديمة لكف أذى الحسد ما زالت موجودة لوقتنا هذا، وما زال الاعتقاد موجودا في عقول البعض بأن تلك الورقة ستمنع الحسد.
ويعتقد بعض الناس أن العروسة الورق، والتي يطلق عليها بينهم "الفسوخة"، تقيهم من الحسد وتمنع أن يأتيهم الأذى والضرر، وهذه عادة مصرية قديمة.
تأصيل العروسة الورق عند المصري القديم
كان المصريون القدماء يعتقدون في السحر والحسد، فكانوا يصنعون تماثيل من الصلصال أو القيشاني تُصور الشخص الذي يخافون حسده، ويطلقون عليها تماثيل اللعنات؛ لأنهم كانوا ينقشون على جسدها نصوص اللعنة لتحل لعناتهم على هذا الشخص، فيلحقوا به الشر، ثم كانوا بعد ذلك يقومون بتحطيم هذه التماثيل.
وكان المصري القديم يقوم بصنع تماثيل اللعنات أيضًا للتخلص من الغزاة والأعداء، لكن بعض المشاهد المصورة على الجدران تُصور آنية مستديرة يُرسم عليها المصريون شكل الأعداء ويقومون بطعنها وفلقها بالسكاكين.
لعب السحر دورا هاما في الحياة اليومية للمصريين القدماء، إذ استُخدم للحماية والشفاء والتأثير على الأحداث والظروف، وحتى في مفهوم العالم الآخر. وارتبطت التعاويذ والطقوس السحرية ارتباطا وثيقا بالدين والطب والحماية وغيرها من الجوانب الأساسية للحياة.
طقوس الحماية
في مصر القديمة، كانت الحماية هاجسا رئيسيا، للأحياء والأموات على حد سواء، وكانت تضمن من خلال طقوس معقدة ورموز قوية. هذه الممارسات، المتأصلة بعمق في الأساطير المصرية، كانت تهدف إلى درء قوى الشر والحفاظ على النظام الكوني.
غالبًا ما تضمنت طقوس الحماية استحضار آلهة رئيسية، مثل رع وإيزيس وحورس، الذين لعبوا أدوارا أساسية كحماة. لم ينظر إلى هذه الآلهة على أنها مجرد حراس، بل أيضا كقوى فاعلة في محاربة الفوضى، التي تجسدها كيانات شريرة مثل الثعبان أبوفيس.
استخدم المصريون مجموعة متنوعة من التمائم والتعاويذ والصيغ السحرية للحماية. كان يُعتقد أن هذه الأشياء والكلمات تمتلك قوى خارقة قادرة على صد الأرواح الشريرة والحفاظ على الانسجام.
كانت التمائم، التي غالبا ما تصور رموزا مثل عين حورس أو الجعران، تلبس يوميا أو توضع في المقابر لضمان الحماية في الآخرة. كما دُمجت طقوس الحماية في العمارة وممارسات الدفن.
صممت المعابد المصرية، بساحاتها الشاسعة ومزاراتها المقدسة، كملاذات آمنة تُعبد فيها الآلهة بأمان. وبالمثل، هدفت طقوس الدفن المصرية، بما في ذلك التحنيط واستخدام نصوص مثل كتب الموتى، إلى ضمان انتقال المتوفى إلى الحياة الأخرى، وحمايته من مخاطر العالم السفلي، وضمان وجوده الأبدي تحت رعاية الآلهة.
طقوس اللعنة في مصر القديمة والدفاع الروحي
كان السحر جزءا لا يتجزأ من الحياة في مصر القديمة. خلق العالم بقوة السحر "حكا"، بينما كان آتوم يقف على تل "بن بن" البدائي وسط مياه الفوضى اللامتناهية مع الإله حكا، الذي جسد القوة السحرية. كان حكا هو من مكن الآلهة من أداء وظائفها، والأهم من ذلك، هو من حافظ على مفهوم ماعت، أي الانسجام والتوازن في الكون.
عندما كان يمرض الشخص ويلجأ إلى الطبيب، كانت الوصفات والطقوس المستخدمة في العلاج تتضمن تعاويذ سحرية. وكان يستعان بالسحر على أمل أن تحمل المرأة، طوال فترة الحمل، وعند ولادة الطفل، حيث كان يعتقد أن الإلهات السبع حتحورات يظهرن للتنبؤ بمصير الطفل. واستمر هذا الاعتقاد نفسه طوال الحياة، وعند الموت، كان يعتقد أن التعاويذ والطقوس والتراتيل السحرية تضمن انتقال الروح بسلاسة إلى الحياة الأبدية في جنات حقول الإيارو.
كما لعب السحر دورا في الحياة الآخرة من خلال التعاويذ الموصوفة في كتاب الخروج إلى النهار، المعروف باسم كتب الموتى.
ومع أن العديد من هذه الممارسات الخارقة للطبيعة كانت تستدعي بركة الآلهة، إلا أن هدفها الأساسي كان درء الأرواح الشريرة أو استرضاء الآلهة إن غضبت. وكان على المصريين القدماء أيضا أن يكونوا على دراية بوجود المردة الغاضبة، وبالطبع بوجود البشر الأحياء الذين يتمنون لهم الأذى. وللحفاظ على صحتهم وسلامتهم، استخدموا طقوسًا وتعاويذ تُعرف اليوم باسم "نصوص اللعنة".
تعني كلمة "اللعنة" شجب أو لعن شخص أو كيان أو شيء يعتبر بغيضا أو خطيرا أو مسيئا بطريقة ما. لم تكن هذه النصوص مجرد لعنات، بل كانت صيغا محددة مصممة لطرد أو تدمير الكيانات الضارة قبل أن تتاح لها فرصة إيذاء شخص ما، أو في حالة المرض الجسدي أو النفسي، لطرد الروح الشريرة ومنع عودتها.
تشكل نصوص اللعنة أقدم أشكال طرد الأرواح الشريرة المعروفة، وكانت تستخدم بانتظام. وقد تم اكتشاف أكثر من ألف نص طقسي من هذه النصوص في مصر. وأشهر نصوص اللعنة اليوم هي اللعنات الشهيرة المنقوشة على المقابر، والتي تنص على معاقبة أي شخص يدخل المقبرة دون دعوة أو دون تطهير. وتُعد "لعنة توت عنخ آمون" الشهيرة، والمعروفة أيضا باسم "لعنة المومياء"، والتي اشتهرت من خلال أفلام هوليوود، المثال الأبرز على نصوص اللعنة.
أصل نصوص اللعنة وتطورها
تعود النصوص المتعلقة باللعنات إلى عصر الدولة القديمة واستمرت حتى مصر الرومانية، لتغطي بذلك معظم تاريخ مصر القديمة. مع ذلك، فإن ممارسة قتل الأعداء طقسيا في احتفال يعود تاريخها إلى أوائل عصر الأسرات، كما تشير إلى ذلك نقوش مختلفة. وقد فسر البعض مشهدًا من صلاية نعرمر الشهيرة، الذي يصور أعداء مقطوعي الرؤوس الموضوعة بين أقدامهم، على أنه دليل على طقوس لعنات يظهر فيها عدد قليل من الأعداء وهم يُهزمون للدلالة على العدد الأكبر بكثير الذي سوف يُدمر بالسحر نفسه.
وبينما كان يقدس الموتى المباركون ويراسلهم الأحياء، كانت الأرواح الأقل حظوة تثير الخوف على نطاق واسع لما قد تسببه من غضب مدمر. وكثيرا ما تشير التعاويذ الطبية إلى الموتى غير المقدسين باعتبارهم العدو الذي يصيب المرضى، ومصدر المرض. وكما تظهر "رسائل إلى الموتى"، حتى الأرواح المفضلة يمكن أن تلحق الضرر عند غضبها، ولم يتردد المستغيثون في طلب الرحمة والقبول. ولأن هذه الأرواح الخبيثة تهدد الجميع -الفرعون والعامة على حد سواء- فقد استدعى الخطر الذي تشكله شكلا من أشكال الاستجابة، ووضعت سلسلة من الطقوس لطردها.
اتخذت هذه الطقوس شكل نص مكتوب مصحوب بفعل يضعف قوة الخصم ويزيد من قوة الشخص نفسه. تعد التعويذة السحرية مثالا على ذلك: إذ تردد الأم أو المربية الكلمات الموصوفة لطرد الأرواح الشريرة، ويعتقد أنها تضع أيضا أعشابا وخضراوات في الغرفة -كالثوم المعلق قرب المدخل- لإبعاد هذه الأرواح.
كانت طقوس اللعنة، من أقدمها إلى أحدثها، تتألف من كتابة اللعنة أو التعويذة على إناء أحمر، ثم كسره. يرمز اللون الأحمر إلى الخطر والحيوية معًا، وكثيرًا ما استخدمه الكُتّاب في نصوصهم للإشارة إلى إله شديد التهديد مثل ست. إلا أن ترنيمة التعويذة السحرية لا تتبع هذا النمط تماما، فهي أقرب إلى تعويذة وقائية منها إلى هجوم.
يبدو أن هذه الطقوس استخدمت منذ البداية ضد الأعداء الطبيعيين والخارقين للطبيعة، ولكن خلال عصر الدولة القديمة في مصر، ازدادت أهميتها لحماية الأفراد من القوى الخفية والغامضة. تحتوي نصوص الأهرام في عصر الدولة القديمة على صيغ لعنات تهدف إلى مساعدة روح المتوفى على تجنب الأرواح الشريرة في العالم الآخر، ويقدم النص رقم 214 طقس لعنة مصمم لدرء الشر قبل طقوس التطهير. خلال عصر الدولة الوسطى في مصر كانت تمارس الطقوس المتعلقة بالثعبان الخارق للطبيعة أبوفيس.
القضاء على أبوفيس
وكان أبوفيس الثعبان العظيم الذي يهاجم قارب إله الشمس كل ليلة في رحلتها عبر العالم السفلي. كان يعتقد أن الثعبان قد وُجد في مياه الفوضى قبل الخلق، أو أنه وُلد من لعاب الإلهة نيت عندما خرجت لأول مرة من تلك المياه على متن قارب بن بن.
جسد أبوفيس عالم الفوضى الموحد وغير المتمايز قبل أن يُرسي الآلهة النظام. بمجرد بدء الخلق، تحطمت وحدة الوجود البدائية إلى ثنائية: ذكر وأنثى، نور وظلام، ليل ونهار. كان هدف أبوفيس هو تدمير إله الشمس، مانح النور والحياة، وإعادة كل شيء إلى حالته الأصلية.
أبحر العديد من الآلهة الأقوياء والأكثر أهمية، بالإضافة إلى الموتى الصالحين، على متن قارب إله الشمس لحمايته من أبوفيس في العالم السفلي. حتى الإله ست، الذي يُعتبر عادة قوة فوضوية مدمرة ويرتبط غالبا بأبوفيس، شوهد على متن القارب يطارد الوحش. في كل ليلة، كانت الآلهة تحارب أبوفيس وتنتصر عليه -حيث يقتل الثعبان ويُقطع إربا- لكنه في اليوم التالي كان يتجدد ويهاجم من جديد في الليلة التي تليها.
تظهر هذه القصة لأول مرة في نصوص من عصر الدولة الوسطى، حيث ذكر اسم أبوفيس لأول مرة، لكن من المؤكد أن الطقوس المحيطة به كانت تمارس قبل ذلك، وازدادت وتيرتها خلال عصر الدولة الحديثة في مصر. في هذه الفترة، دُوّن نص اللعنة "كتاب هزيمة أبوفيس"، ووُظف بانتظام. كان المشاركون يصنعون تماثيل شمعية للثعبان، ثم يقطعونها إلى أجزاء، ويبصقون عليها، وأحيانًا يتبولون عليها، ثم يحرقونها. من خلال المشاركة في هذه الطقوس، كان الأحياء يعينون الآلهة في صراعها ضد الثعبان، ويتحدون مع الموتى المُبرّرين، ويضمنون شروق الشمس من جديد في صباح اليوم التالي.
الدفاع الشخصي والطقوس الرسمية للدولة
ربط نص مثل كتاب القضاء على أبوفيس الفرد بالمجتمع والآلهة والموتى والعالم الطبيعي، رافعًا إياه إلى مرتبة جزء لا يتجزأ من نظام الكون. وحافظت التعاويذ السحرية على قوى الشر بعيدة، وضمنت سلامة الأطفال. واستدعت النصوص الطبية قوى خارقة للطبيعة أكثر قوة للتغلب على مهاجمي المريض وطردهم. ومع ذلك، كانت هناك أنواع أخرى كثيرة من النصوص مخصصة للاستخدام الشخصي ضد الأعداء. وخلال عصر الدولة الحديثة، كانت الطقوس الرسمية للدولة شائعة، واستخدمت نصوص اللعنات لتمكين الملك.
على الرغم من اختلاف النصوص والطقوس الموصوفة في هذه النصوص اختلافا كبيرا، فإن النمط القياسي لطرد الأرواح الشريرة واضح: تُنقش "صيغة التمرد" التي تعدد أسماء أعداء مصر المحتملين على سلسلة من الأواني أو التماثيل الحمراء، والتي تكسر بعد ذلك وتحرق وتدفن. وبينما يعد هذا طقسا رسميا للدولة، يبدو أن هناك بعض التأثيرات المحلية في اختيار النصوص. تدرج معظم أقسام الصيغة أسماء حكام الدول المجاورة لمصر الأحياء. ومع ذلك، تُرفق بهذه الأقسام قائمة بأسماء المصريين، الذين وصفوا جميعًا بأنهم "أموات"، والذين يمثلون أيضا تهديدا.
كان تدمير الاسم أو الصورة أو كليهما أنجح وسيلة لتحييد سلطة الفرد، إذ كان يمحوه من التاريخ. كانت الفردية والتاريخ الشخصي في غاية الأهمية لدى المصريين القدماء، فكان لا بد من تخليد ذكرى المرء لضمان استمرار وجوده. وشكّلت قرابين الطعام والشراب جزءا أساسيا من طقوس الدفن لهذا السبب تحديدًا، إذ كان على أفراد العائلة أن يتذكروا المتوفى في كل مرة يقدمون فيها هذه القرابين إلى المقبرة.
وفي طقوس التطهير، كانت تدمر عناصر العدو التي تمنحهم القوة والوجود -أي اسمهم وصورتهم. وقد سنت طقوس الدولة لمعاقبة المخربين والخونة وتقليص نفوذ أعداء مصر، لكن الأفراد كانوا يستخدمون الصيغة نفسها في حياتهم الخاصة.
ولحماية أنفسهم من خطر مردة غاضبة، على سبيل المثال، كانوا يمحون الاسم والصورة، ثم يؤدون طقسًا آخر يتضمن كتابة نص على إناء أحمر، ثم يكسرونه. كما مارس النبلاء طقوس اللعنة بالطريقة نفسها ضد خصومهم. وقد مُحي الملك إخناتون من التاريخ على يد حورمحب، آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، لمحاولته إلغاء الديانة المصرية التقليدية وإقامة مذهبه التوحيدي الخاص.
مثال آخر على التشويه الملكي هو اختفاء الملكة حتشبسوت بعد وفاتها. كانت حتشبسوت من أنجح وأكفأ ملوك مصر، ولكن بعد وفاتها بفترة وجيزة، شُوهت آثارها ومُحي اسمها من النقوش. يُعتقد أن هذا الفعل قام به خليفتها وصهرها، تحتمس الثالث، الذي يزعم أنه اعتبر حكم المرأة كحكم الرجل أمرا غير لائق. ويقال إن اسمها مُحي لمنع النساء الأخريات من الاقتداء بها. مع ذلك، فقد حكمت نساء مصر قبل حتشبسوت، لذا من المحتمل أن يكون هناك دافع آخر وراء ذلك. لا يبدو أن تحتمس الثالث كان يكن أي ضغينة لزوجة أبيه، فقد أبقى اسمها في المعابد والنقوش البعيدة عن أنظار العامة.
المحو من الزمن
تعد نصوص اللعنة التي تتناول القوى الروحية الأكثر عددًا. كان بإمكان الناس مراسلة أصدقائهم وأقاربهم المتوفين متى شاؤوا، وكانت هذه الرسائل تُسلّم إلى القبر مع قرابين من الطعام والشراب. غالبا ما تتضمن رسائل الموتى مديحا أو حتى تهديدات في محاولة لإقناع روح المتوفى بمساعدتهم في حل مشكلة ما، ولكن إذا فشلت هذه المحاولات، يُلجأ إلى طقوس اللعنة.
ويمكن هنا أن نذكر أن الناس لا تزال تخاطب الموتى من أولياء الله الصالحين، طالبين منهم المساعدة في حل بعض المشاكل، وذلك بواسطة خطابات توضع في الأضرحة.
وكما في حالة إخناتون، كان الهدف هو محو اسم الشخص تماما من التاريخ. لم يكن الهدف النهائي أقل من إبادة فرد من الوجود، في الدنيا والآخرة. فبدون اسم أو صورة يتذكرها الناس، يستحيل الاستمرار في الحياة. إذا أُصيب شخص ما بقوة خارقة للطبيعة، واستطاع تمييزها على أنها شبح شخص كان يعرفه، يمكن حل المشكلة بتدمير جوهر عدوه.
وبالإضافة إلى النص المكتوب على الإناء الأحمر، صُنعت تماثيل اللعنة. كان دورها مشابهًا لدور دمية الفودو الشهيرة. يُصنع تمثال طيني على هيئة الخصم، ويُنقش اسمه عليه، ثم يُطعن بسكين أو مسامير، ويُبصق عليه، ويُبول عليه، ويُسحق، ويُحرق، ويُدفن.
عُثر على بعض هذه التماثيل في المقابر حيث طُعنت عدة مرات قبل دفنها، أو ظهرت عليها علامات بتر أطرافها قبل الدفن. في نهاية هذه الطقوس، كان بإمكان المشاركين توقع نهاية متاعبهم، لأن عدوهم لم يختفِ فحسب، بل في ذاكرة الآلهة، لم يكن له وجود أصلا، فقد مُحي من الزمان والأبدية.
السحر وإلقاء التعاويذ في مصر القديمة
من بين جميع التمائم التي كان المصريون يتزينون بها، توجد فئة مثيرة للاهتمام، لكن استخدامها موثق فقط في عصر الانتقال الثالث. وهي عبارة عن شرائط من ورق البردي ضيقة جدا (عرضها حوالي 6 سم)، لكن طولها قد يتجاوز المتر. وقد عُثر حتى الآن على حوالي عشرين نصا من هذا النوع، معظمها في منطقة طيبة. يحمل كل نص منها دعاء طويلا منسوبا إلى آلهة معينة، يحمي حامله من الأمراض واللعنات والمصائب المختلفة التي قد تصيبه، والمذكورة صراحة في النص.
وتقدم المقتطفات التالية من أحد هذه البرديات مثالا جيدا على هذا النوع من النصوص:
سنحفظ (فلانة...) سنحفظها سليمة الجسد والعظام. سنفتح فمها لتأكل، وسنفتح فمها لتشرب. (...) سنحفظها من كل شيطان ذكر وأنثى. سنحفظها من شيطان النهر، وشيطان القناة، وشيطان البئر، وكل شيطان البحيرة. (...) سنحفظها من كل داء في القلب، وكل داء في الرئتين، وكل داء في الطحال، وكل داء في الرأس، وكل داء في البطن. (...) سنحفظها من كل داء ومرض. سنحفظها من كواكب السماء الخبيثة، وسنحفظها من كواكب السماء المسببة للأمراض. سنحميها من آمون، وموت، وخونسو، ورع، وبتاح، وباستت، وكل إله أو إلهة يمارسون قوتهم عندما لا يتم استرضاؤهم.
كانت هذه الوثائق تلف وتحفظ في حافظات مصنوعة من الجلد أو الخشب، أو حتى الذهب أحيانًا. هذه العادة، التي اندثرت لاحقا في مصر، استمرت في النوبة، وقد نُشرت بعض هذه النصوص، المكتوبة بلغة مملكة مروي بعد نحو ألف عام، في الأشهر الأخيرة. في المقابل، لا تزال عادة حمل النصوص السحرية في حافظات تعلق حول الرقبة أو الذراع قائمة حتى يومنا هذا في معظم دول شرق أفريقيا.
قد تبدو طقوس اللعنة مألوفة للأشخاص المعاصرين، إذ لا تزال تمارس في أنحاء العالم. يلجأ الناس بانتظام إلى طقوس مماثلة عند انتهاء علاقة عاطفية بشكل سيئ. تعرف هذه الطقوس اليوم بأسماء عديدة، رسمية وغير رسمية، لكنها جميعا تتضمن تدمير الهدايا أو الممتلكات أو صور الشخص الذي تسبب في إنهاء العلاقة.
يعد حرق الصور والرسائل وتذكارات الماضي عنصرا أساسيا في هذه الطقوس، مما يسمح للشخص بالتخلي عن العلاقة الفاشلة والمضي قدما. هذه هي الفائدة النفسية نفسها التي قدمتها نصوص اللعنة في مصر القديمة. سواء أُخمدت روح العدو بالفعل أم لا، كان الشخص الذي يؤدي الطقوس يعتقد أنه انتصر على خصمه، وهذا الاعتقاد وحده كان كافيا لتخفيف الظلم أو الأذى الذي كان يعانيه.
وهكذا يتبين لنا أن كثيرا من العادات والتقاليد المصرية القديمة المتعلقة بالسحر لا تزال تعيش بيننا حتى وقتنا هذا.
..............
الأستاذة الدكتورة سلوى كامل
أستاذ الآثار والديانة المصرية القديمة، ورئيس قسم الآثار المصرية بكلية الآثار جامعة القاهرة.