استكمالا لما جاء في المقالة السابقة عن الهوية المصرية، نتعرض اليوم لموضوع جديد يرسخ ملامح الشخصية المصرية ويؤكد الهوية المتفردة للشعب المصري.
ومما هو جدير بالذكر أن هناك العديد من الأطعمة المصرية التي كانت على مائدة المصريين القدماء، ولا تزال لها نفس المكانة عند المصريين الآن، ومن هذه الأطعمة الفسيخ والبصارة والطعمية.
وفي هذه المقالة نرسخ للجذور التي نبتت منها هذه الأطعمة في الميراث المصري القديم، وكيفية انتقالها عبر التاريخ إلى أن وصلت إلينا الآن.
ولقد لعب نهر النيل دورا مهما في تشكيل حياة المصريين، وصياغة القيم المجتمعية لهم، ولعل أهم ما قدمه النيل للمصريين القدماء هو الأرض الخصبة على ضفتي النهر، الأمر الذي مكن المصري القديم من أن يزرع هذه الأراضي بالمحاصيل المختلفة التي أحبها.
وأصبحت هذه الأكلات والأطعمة المصرية القديمة جزءًا لا يتجزأ من الميراث والتراث الثقافي والحضاري للمصري القديم.
كما أظهرت النقوش المصرية القديمة الكثير من المعلومات حول هذه الأطعمة وطرق تحضيرها، كما لا تغفل طرق زراعتها وفوائدها.
وما يثير الدهشة هو بقاء هذه الأطعمة على مر القرون على موائد المصريين. ولعل البداية هنا أن نلقي نظرة على المطبخ في مصر القديمة.
المطبخ في مصر القديمة
كان المطبخ من الأماكن الأساسية في تخطيط المنازل المصرية القديمة، وكان يقع في الهواء الطلق أو في أماكن شبه مغلقة داخل المنزل، حتى يحافظ على المكان من نشوب الحرائق، أو بالقرب من الأفنية لتوفير الهواء حتى يسمح للدخان أن يتصاعد ويتبدد سريعا.
مثال ذلك المطبخ في مصاطب سقارة في الدولة القديمة، والذي يظهر فيها الطهاة وهم يقومون بطهي ما لذ وطاب وأمامهم الأواني، وبالإضافة إلى ما وصل إلينا من الدولة الوسطى من المجسمات التي أظهرت المطبخ والطهاة والأدوات بشكل واضح، وكان الفرن الطيني جزءا أساسيا في مطبخ المصري القديم، حيث كان يخبز فيه بعض أنواع الخبز الذي كان يُعد من العناصر المهمة في النظام الغذائي عند المصري القديم، وحتى الآن تستخدم هذه الأفران في ريف وصعيد مصر في المنازل، وتوضع هذه الأفران عادة في الهواء الطلق كما كان الحال عند المصري القديم.
وكان المصري القديم يطحن الحبوب يدويا باستخدام مطاحن حجرية لإنتاج الدقيق من القمح أو الشعير، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتجنب ذلك، غالبا ما كانت الحصى والرمال تتسرب إلى الدقيق أثناء المعالجة والنقل. وقد وجدت أسنان العديد من المومياوات متآكلة نتيجة سنوات من تناول الخبز المصنوع من الحبوب، والذي تسرب إليه بعض من هذه الحصوات.
واستخدم أيضا الهون والمدق لطحن التوابل والأعشاب، والتي كانت حيوية لأغراض الطهي، ودخلت في الوصفات الطبية.
وكان يستخدم السيخ والشوايات لشواء اللحم والطيور، وقد استخدم الطاهي المصري المروحة في يده لإشعال النار، وكان لهذه الأدوات أهمية خاصة أثناء الأعياد والاحتفالات، وعلى سبيل المثال ظهر الملك أمنحتب الثالث في معبد الأقصر وهو يقوم بشواء اللحوم بطريقة أقرب ما تكون لما نفعله الآن في حياتنا اليومية.
والجدير بالذكر أننا لا نعرف الكثير عن وصفات مصر القديمة لعدم وجود وصفات طبخ مصرية معروفة، وقد أعاد علماء المصريات بناء صورة للمطبخ المصري استنادا إلى الفن، ووصف إنتاج الطعام، وبقايا النباتات والحيوانات التي عثر عليها في المواقع الأثرية. وكانت طرق الطهي البسيطة، كالخضروات والطواجن، هي الأكثر شيوعا. وكان اللحم يطهى غالبا على نار هادئة أو يسلق في أوان كبيرة، ونادرا ما يشوى أو يقلى. أما الطيور والحيوانات الصغيرة الأخرى، فكانت تحشى عادة بالتوابل والخضراوات المقطعة.
أنتج المصريون القدماء أنواعا عديدة من التوابل والبهارات لإضفاء نكهة مميزة على الطعام. وزرعوا أعشابا مثل الشبت والبقدونس والزعتر والكمون والحلبة والنعناع. كما أضافوا مكونات أخرى كالخردل وبذور النخيل، مما أضفى حيوية على الأطباق. وعثر على سلال تحتوي على هذه التوابل في حالة جيدة من الحفظ، مثلما تركها المصري القديم، وهي الآن موجودة في بعض المتاحف. واستخدم المصري القديم الدهون النباتية والحيوانية في الطهي، مثل زيت بذور الكتان وزيت السمسم وزيت الخروع.
كان الطعام يحفظ عموما بالتجفيف أو التخليل أو التمليح، وكان تجفيف شرائح الطعام الرقيقة تحت أشعة الشمس طريقة سهلة وفعالة لحفظه. كما كان اللحم يُحفظ في محلول ملحي، كما عرف الأجزاء اللذيذة من اللحوم وسماها أطايب اللحم، كما كان يُحفظ اللحم والأطعمة الأخرى بطهيها ببطء في الدهون، ثم تعبأ في جرار محكمة الإغلاق، وكان السمك المملح في الأواني شائعا جدا، ويمكننا تحليل البقايا التي ما زالت عالقة في هذه الأواني الفخارية لمعرفة ما كان يطهى فيها أو يخزن فيها.
الوجبات
كان الناس يتناولون طعامهم عادة جالسين على مقاعد مرتفعة أو على الأرض حول طاولة منخفضة. وكانوا يأخذون طعامهم بأنفسهم من أطباق مشتركة، تتكون أساسا من أوعية وحصائر من القصب، باستخدام الملاعق أو بأيديهم. وكانت الأكواب الفخارية والأواني الخشبية شائعة، بينما امتلكت الأسر الثرية أدوات مائدة مصنوعة بدقة من المعدن والفخار، وخلال تناول الطعام، كان الناس يغسلون أيديهم بالماء، كما ظهر على جدران المقابر الطست والإبريق، والذي يعد من أدوات غسل اليدين، والذي ما زال في بعض القرى المصرية.
كان الإفطار البسيط المكون من العيش والجعة والبصل الأخضر هو السائد، وكان هذا كافيا لتزويد معظم الناس بالطاقة اللازمة للأعمال اليدوية كالزراعة والبناء. وفي المساء، بعد عودتهم إلى منازلهم من العمل، كانوا يتناولون وجبة أكثر دسامة، قد تتكون من الجعة والخضراوات المطهوة والخبز وبعض من اللحوم أو الطيور أو الأسماك.
في مقبرة تعود إلى الأسرة الثانية في سقارة، عثر على وجبة كاملة أُعدت لأحد الأشراف المجهولين. تضمنت الوجبة أواني فخارية وأواني من المرمر تحتوي على عصيدة من الشعير المطحون، وسمانا مشويا على سيخ، وكليتي خروف مطبوختين، وحساء حمام، وسمكا مطهوا، وضلوع لحم بقري مشوية، وأرغفة عيش مثلثة الشكل مصنوعة من دقيق القمح ثنائي الحبة، وكعكات صغيرة مستديرة، وطبقا من التين المطهو، وطبقا من التوت، وجبنا، وكلها مصحوبة بأوان كانت تحتوي في السابق على النبيذ والجعة.
كانت الأسر الغنية، التي تمتلك فريقا من الخدم لإعداد الطعام، تستمتع بوجبات أكثر فخامة. وكان بإمكان الطبقة العليا تناول وجبتين أو ثلاث وجبات يوميًا، وكانت وجبات العشاء أكثر دسامة. وقد تمتد هذه الولائم لتشمل عدة أطباق وأصنافا متنوعة، وخلال الأعياد، كان حتى أفقر أفراد المجتمع يتمتعون بفرصة حضور ولائم فاخرة.
الطهاة في مصر القديمة
انخرط الرجال والنساء على حد سواء في عملية طهي الطعام، على الرغم من أن الفن المصري القديم أبرز أن الرجال كانوا يقومون بالطهي سواء في المعابد أو في الحقول. ولم تكن المشاركة في صناعة إعداد الطعام في مصر القديمة مهمة رفيعة المستوى، حيث كان على المشاركين في صيد الأسماك، وإعدادها، التعامل مع مجموعة من المشكلات على غرار التماسيح، والحشرات، والطيور الجائعة المصممة على انتزاع صيدها مباشرة من قواربهم.
وأظهر الفن المصري القديم أن الزوج والزوجة يجلسان على الكراسي أمام مائدة مليئة بجميع أنواع الأطباق الشهية. وهذا التصوير للوجبة المثالية التي يأمل الفرد في الاستمتاع بها في العالم الآخر، لا يعكس بالضرورة الواقع. ففي الحقول والمستنقعات، جلس الفلاح المصري على الأرض، وكانت وجبته بسيطة عبارة عن حفنة من البصل، ورغيف عيش، وربما بعض الدواجن المشوية، أما في المنزل، فكانت المرأة هي التي تطبخ الطعام للعائلة.
أطعمة كان يتناولها المصريون القدماء وما زالت على مائدة المصري الآن
لا تزال آثار بعض الأطعمة المصرية التقليدية من العصور القديمة باقية - دليلا على أنظمتهم الغذائية.
قد لا نعرف ما الذي كان يشكل قائمة الطعام اليومية للأسر في مصر القديمة، ولكن لا يوجد نقص في الأدلة المتعلقة بأطعمتهم المفضلة.
بعض الأمور مثل عدد الوجبات في اليوم لم تكن مهمة بما يكفي لتوثيقها، فهي لن تساعد على حياة جيدة بعد الموت.
تشكل البقايا الموجودة في المقابر أحد المصادر الرئيسية للمعرفة حول مطبخ مصر القديمة، بما في ذلك الطعام الوفير الذي يبدو أنه كان يُترك لخدم الحياة الأخرى لإعداده، وللمتوفى للاستمتاع به.
ويعرض المتحف المصري في تورينو بإيطاليا، على سبيل المثال، كومتين من الشحم، تعودان إلى ثلاثة آلاف عام، عثر عليهما في مقبرة في دير المدينة، وإلى جانب بقايا الطعام والمنحوتات التي تصور مواد غذائية أساسية، تزخر جدران المقبرة بمشاهد بديعة، تصور في كثير من الأحيان وجبات شهية كان المتوفى يستمتع بها في الحياة الأخرى.
في الدولة القديمة، كان يتم دفن المتوفى مع قائمة من الأطعمة على أمل أن الأطعمة المذكورة ستشبع جوعه إلى الأبد.
كان المصريون القدماء يعتقدون أيضا أن النقوش تحمل سحرا عميقا من شأنه أن يجدد بلا نهاية، وبأي إرادة، إمدادات الأطعمة المفضلة للمتوفى. واعتقدوا أن صور الحصاد وقطف العنب ومشاهد الصيد والأسماك المرسومة على جدران المقابر لها قوى مماثلة.
فيما يتعلق بصورة على الجانب الشمالي من الجدار الغربي لمقبرة نخت، ولعل أجمل ما في هذا المشهد أنه يظهر نخت وزوجته خلفه، وخدمهم وهم يقدمون لهم مجموعة متنوعة من الأطعمة، تملأ أكوام العنب والرمان المربوطة ببعضها، والخيار، والتين الشائع، وتين الجميز، وسمك البرسيا المصري المنقرض المشهد، بينما توفر البط والإوز والبيض والأسماك البروتين الذي كان سيستمتع به المتوفى إلى الأبد.
من خلال دراسة بقايا النباتات والطعام، يكشف كيف تفاعل الناس مع العالم المحيط بهم، وعلاقتهم بالبيئة، والتقنيات التي استخدموها، والاقتصاديات التي بنوها، وحياتهم اليومية، التي غالبًا ما تحمل تشابهًا لافتًا مع الحياة اليوم.
هل تخيلت يوما أنك تتناولين وجبة كان المصري القديم يعشقها قبل آلاف السنين؟
الكثير من الأكلات المصرية التي لا تزال تطهى اليوم هي جزء من أكلاته الأصلية بنفس المكونات تقريبا، وكأنها جسر يربط حاضرنا بماض مليء بالأسرار والنكهات. من أكلات بسيطة كانت تحضر في البيوت المصرية القديمة إلى أطعمة تحمل تراث المطبخ المصري القديم، تحمل كلها أسرارا مدهشة ورثها المصريون جيلا بعد جيل دون أن يفقدوا سحرها.
العيش والجعة
على الرغم من اختلاف طرق وأساليب تحضير الخبز من قرن لآخر ومن دولة لأخرى، إلا أنه ظل غذاء أساسيا. وتشير السجلات إلى وجود نحو أربعين نوعا منه، ومن أنواعه (الخمريت، والمالتوت، والقرغوش، والكسرة، والكوايكاوي)، ولا يزال بعض هذه الأنواع موجودا في صعيد مصر.
أما الجعة فكانت عنصرا أساسيا في مطبخ مصر القديمة، وكانت المكونات من دقيق الشعير ودقيق القمح وماء. وطريقة التحضير تتم بمزج دقيق الشعير مع دقيق القمح ثم يضاف الماء، ويعجن، ويشكل العجين الناتج على هيئة أرغفة صغيرة. تترك لترتاح، ثم يضاف المزيد من الماء، ويضغط على الأرغفة من خلال مصفاة كبيرة. وكلما زادت كمية الماء، قلت قوة الجعة. يخمر هذا السائل في أوان لمدة يومين.
البصل الأخضر والعدس
فبينما يظهر البصل الأخضر في سياقات متنوعة (الزراعة، والوجبات اليومية، والقرابين للموتى)، قد يكون انتشاره الواسع، بالإضافة إلى أهميته في الطهي، خيارا فنيا. يتميز البصل الأخضر بمظهره الجذاب، إذ يمكن تكديسه بسهولة، أسهل بكثير من كومة العدس مثلا.
وهناك أطعمة، كالعدس، نعلم أن الناس كانوا يتناولونها بانتظام وبكميات كبيرة. نجدها باستمرار في مواقع المنازل، لكننا نادرا ما نجدها في المقابر. قد يكون السبب، كما هو الحال اليوم، أن العدس كان يعد طعاما شائعا، وبالتالي لا يستحق الحفظ إلى الأبد، على الرغم من وجود وفرة من الأدلة المادية على استهلاكه.
إن تناول الطعام على الطريقة المصرية القديمة يتجلى، على سبيل المثال، في الأطعمة التي يتناولها في الأعياد، مثل عيد الفصح، والذي يحتفل به بالتزامن مع عيد شم النسيم، وهذا ما يبرر الشعبية الدائمة والاستمرارية في تناول البصل الأخضر.
ومهما يكن من الأمر، فقد دأب المصريون على إضافة البصل الأخضر النيء إلى وجباتهم منذ آلاف السنين وحتى الآن.
البقوليات
اعتمد المصريون القدماء على أنواع البقوليات المختلفة كمصدر رئيسي للبروتين، فجعلوا منها أساس أكلات المطبخ. فقد كان الفول يقدم مطبوخا أو مهروسا بجانب الخبز، وهي عادة استمرت آلاف السنين. واليوم لا تخلو أي مائدة مصرية من هذه الأطعمة، لتبقى شاهدا على أطعمة الحضارة المصرية القديمة التي لم تتغير رغم مرور العصور.
البصارة
تعد البصارة من أشهر أكلات مطبخ المصريين القدماء التي ما زالت جزءا من المائدة المصرية اليومية. كانوا يعتمدون عليها كمصدر للبروتين النباتي، إذ تحضر من الفول المدشوش، والبصل، والتوابل. وهذه الأكلة البسيطة الغنية بالطاقة كانت طعام الفلاحين حتى اليوم، وهي تجسد روح الطعام المصري الأصيل ببساطته وفوائده الغذائية.
الطعمية
وتعد الطعمية المصرية من أكثر أكلات المصريين القدماء الأصيلة التي تطورت عبر الزمن دون أن تفقد هويتها. كانت تحضر من الفول المطحون والأعشاب الخضراء، وتقلى في الزيت لتقدم كوجبة مشبعة للفقراء والعمال. ومع مرور القرون، أصبحت رمزا من أكلات المطبخ المصري التي تمثل الذكاء المصري في ابتكار أطعمة بسيطة وغنية بالقيمة الغذائية.
العجة
لم تخل موائد المصريين القدماء من العجة، وهي واحدة من الأكلات المصرية القديمة. كان المصري القديم يربي البط والدواجن للحصول على البيض واللحوم، وكانت العجة عبارة عن بيض مخفوق يطهى على النار. تشير النقوش والبقايا الأثرية إلى أنها كانت جزءا أساسيا من غذائهم اليومي، خاصة لدى الطبقة الثرية، حيث كانت تقدم مع الخبز والمشروبات والحلويات، لتشكل مثالا رائعا على أطعمة الحضارة المصرية القديمة التي ما زالت تبهرنا حتى اليوم.
البامية
البامية من أطعمة الحضارة المصرية القديمة التي دلت النقوش على زراعتها منذ عصور قديمة. كانوا يقدمونها مطبوخة بالصلصة مع اللحم أو منفردة في الأعياد. ويعتقد أن المصريين القدماء أول من زرعها في وادي النيل لما تحتويه من عناصر مغذية. وحتى اليوم تبقى البامية ضمن أكلات أصلها مصري قديم لم تفقد مكانتها في المطبخ المصري.
الشلولو
يعد الشلولو من الأكلات المصرية الأصيلة والمنتشرة في صعيد مصر حتى الآن. وكانت من تراث المطبخ المصري ومعروفة ببساطتها وسرعتها في الإعداد، إذ تتكون من الملوخية الجافة الممزوجة بالماء البارد مع الأرز والليمون والتوابل. هذه الأكلة كانت تمنح المصري القديم طاقة وانتعاشا في أيام الصيف، وما زالت حتى اليوم رمزا للأصالة والنكهة المصرية الفريدة.
الخبيزة
الخبيزة من النباتات التي اعتمد عليها المصري القديم في غذائه اليومي، فهي مثال على أشهر أطعمة مصرية عبر التاريخ ذات قيمة غذائية عالية. كانت تطهى كحساء مغذ في الشتاء، وتقدم للعامة والملوك لما تحتويه من فوائد علاجية. وحتى اليوم تعد الخبيزة من أبرز الأمثلة على الأكلات المصرية القديمة التي ما زالت تطهى في الريف المصري بنفس الطريقة تقريبا.
الجبن القريش
كانت صناعة الجبن القريش من الصناعات التي أبدع فيها المصري القديم. كانت العملية تبدأ بتخثير الحليب في ظروف دافئة أو بإضافة مواد حمضية، ثم فصل الخثرة عن الشرش، يليها التمليح والتجفيف لحفظ الجبن. يخزن الجبن في أوان فخارية، ويضاف إليه أحيانا خميرة "المش" لإطالة مدة الحفظ. تمثل هذه الطريقة مثالا حيا على أطعمة الحضارة المصرية القديمة والحرفية الغذائية التي ابتكرها المصري القديم.
الفسيخ
يعود أصل الفسيخ إلى العصور المصرية القديمة، إذ كان المصريون القدماء يقدمونه كرمز للحياة الجديدة. وُجدت نقوش تظهر عملية تمليح السمك وتجفيفه تحت الشمس، ما جعله من أبرز أكلات المصريين القدماء الأصيلة. وحتى اليوم يعد الفسيخ أكلة تراثية تحافظ على الطقوس المصرية القديمة في التحضير والتقديم ضمن تراث المطبخ المصري الأصيل.
الحلويات
تناول المصريون القدماء تشكيلة واسعة من الحلويات، بما في ذلك الكعك والمعجنات والحلوى. وكثيرًا ما احتوت هذه الحلويات على فواكه مقطعة أو شراب حلو. وكان العسل أحد المحليات الرئيسية، إذ لم يكن قصب السكر قد استورد بعد من جنوب آسيا. ولأن العسل كان باهظ الثمن، فقد شاع استخدام التمر، وعرف منذ الدولة القديمة في مصاطب سقارة من الدولة القديمة تجميع التمر وعمل العجوة، والخروب كمُحليات. وكان دقيق التمر يستخدم على نطاق واسع في صناعة الحلويات لدرجة أن طهاة المعجنات كانوا يطلقون عليه اسم "عمال التمر". وهي حلوى عمرها 3000 عام، من المشاهد الموجودة في مقبرة الوزير رخميرع من الأسرة الثامنة عشرة، تبدو العملية كما هي مصورة في المقبرة متقنة تماما: رجال يقطفون الفاكهة، ويدقونها، ويخلطونها بالماء، ويبدو أنهم يضعونها في الزيت الساخن لقليها.
وهكذا يتضح للقارئ أن المصري الذي عاش على ضفاف نهر النيل منذ آلاف السنين إنما يمثل حضارة لا تزال تعيش حتى الآن، وبطريقة تراكمية واستمرارية أدهشت الدنيا كلها، وانتقلت من الأجداد إلى الأحفاد.
ولعل الطعام الذي يتناوله المصري الآن يدل دلالة قاطعة على أنه هو نفسه الذي ابتكره منذ آلاف السنين، وأصبح جزءا من مكونات الشخصية المصرية في حياتها اليومية، كما أنه يعكس هوية المصري المستقلة المتفردة عن غيره بالرغم من توالي العصور والأزمنة.
..............
الأستاذة الدكتورة سلوى كامل
أستاذ الآثار والديانة المصرية القديمة، ورئيس قسم الآثار المصرية بكلية الآثار جامعة القاهرة.