تعد العادات والتقاليد في مصر جزءا لا يتجزأ من النسيج الثقافي والاجتماعي للمجتمع المصري، حيث تمتد جذورها إلى آلاف السنين، متأثرة بتعاقب الحضارات المختلفة التي شهدتها البلاد. من الحضارة المصرية القديمة إلى الفتح الإسلامي لمصر، مرورا بالفترات اليونانية والرومانية والبيزنطية المسيحية (القبطية)، تشكلت هوية مصر الثقافية الغنية والمتنوعة.
هذه العادات تشمل مجموعة واسعة من الممارسات الاجتماعية والاحتفالات الدينية والمناسبات الوطنية، التي تعكس القيم والمعتقدات المتوارثة عبر الأجيال.
كما أن التاريخ المصري العريق لعب دورا محوريا في تشكيل هذه التقاليد، حيث ساهم في تعزيز الشعور بالفخر والانتماء لدى المصريين، وجعل من مصر مركزا ثقافيا وحضاريا في المنطقة.
قامت الحضارة المصرية القديمة على ضفاف النيل كأحد أشهر الحضارات التي قامت على الزراعة في تاريخ الإنسان، ونظرا للارتباط الوثيق ما بين حضارة مصر وفيضان النيل ومواسم الزراعة والحصاد كان من الطبيعي أن يكون لمصر تقويما خاصا بها يعكس تلك الأهمية.
يستمر استخدام التقويم المصري الذي تم إصلاحه في مصر باعتباره التقويم القبطي ومن قبل عامة الشعب المصري، ولا سيما الفلاحين، لحساب المواسم الزراعية، وهي تختلف فقط في عصرها.
ويقسم المزارعون المصريون المعاصرون، مثل أسلافهم القدامى، السنة إلى ثلاثة فصول: الشتاء والصيف والفيضان.
قسم المصريون القدماء العام إلى ثلاث فصول رئيسية:
فصل "آخت" وهو فصل الفيضان ويبدأ بظهور نجم الشعرى اليمانية (يمتد من سبتمبر إلى يناير) وهو الوقت الذى تبدأ فيه المياه الآتية من المنابع في ارتفاع مستويات النيل، وقد عبر المصريون القدماء عن فيضان النيل بأنه دموع الإلهة إيزيس حزنا على زوجها المقتول غدرا "أوزير، أو أوزوريس" كما نعرفه اليوم، والذى قتل غدرا على يد أخيه "ست"، وقد استمر فصل آخت إلى أربعة أقمار (أربعة شهور).
فصل "برت" الشتاء أو الإنبات (يمتد من يناير إلى مايو)، وهو موسم حرث الأرض وزراعة المحاصيل وإنباتها والذى ينتهى بعد أربعة أشهر هو الآخر ببداية فصل الحصاد.
فصل "شمو" الصيف أو الحصاد (يمتد من مايو إلى سبتمبر)، وهو فصل مهم ارتبط باحتفالات مصرية قديمة للإلهة "رننوتت" إلهة الحصاد والأراضى الصالحة للزراعة وقد كان الاحتفال بالحصاد يتم بشكل كرنفالي في مصر القديمة.
أما بالنسبة للشهور فقد قسم المصريون القدماء كل فصل إلى اربعة شهور، وكل شهر إلى ثلاثة أسابيع وكل أسبوع إلى عشرة أيام (منها يوم للراحة) ليصبح المجموع هو 360 يوم للسنة المصرية، وقد أضافوا لها خمسة أيام في نهاية العام تسمى أيام النسىء وجعلوها أيام احتفالات ليصبح المجموع 365 يوما بالسنة.
ارتبطت الشهور القبطية ارتباطا وثيقا بالأمثال الشعبية الزراعية، ولا يخلو شهر من شهورها من مثل أو أكثر.
1- شهر توت (11/12 سبتمبر) فصل آخت أي الفيضان يقع في رأس السنة القبطية
نسبة إلى الإله جحوتي (إله الحكمة والعلم والكتابة وحامى الكتبة).
وكان يحتفل باليوم الأول منه ويستمر الاحتفال به أسبوعا، حتى أيام الظاهر بيبرس الذي منع الاحتفال به عام 1100م، لتطرف الغوغاء في استخدام الحرية، ثم عاود الأقباط إحيائه في مصر ويسمى (النيروز) وهي كلمة مشتقة من الكلمة القبطية "ني-ياروؤو" ومعناها "الأنهار".
ويوافق اليوم الأول من شهر توت لدى الأقباط الاحتفال بعيد الشهداء، حيث يأكل الأقباط البلح الأحمر الذي يرمز خارجه الأحمر لدم الشهداء وقلبه الأبيض لنقاوتهم وبذرته الصلبة لصلابة إيمانهم.
وسوف نعرض لمجموعة من الأمثلة التى اختزنها المصرى المعاصر في تراثه و حياته اليومية.
ومن الأمثلة الشهيرة عن شهر توت
أ- "في توت اروى ولا تفوت" أي الفلاح الذي لا يستطيع أن يروي أرضه في هذا الشهر لا يستفيد من زراعتها.
ب- "توت يقول للحر موت" نسبة إلى انكسار نسبة الحرارة في هذا الشهر.
ج- "توت حاوي توت" أي أن الحاوي يتكلم بالعلم والمعرفة بلسان الإله جحوتي.
د- "في توت لا تدع الفرصة تفوت"
2- شهر بابه (10/11 أكتوبر) فصل آخت أي الفيضان
هو الاسم الأصلي للأقصر ايبت، وكذلك نسبة إلى عيد أوبت: وهو عيد انتقال الإله آمون من معبده في الكرنك إلى معبده في الأقصر وتجديد الطاقة.
أما عن الأمثلة التي قيلت في شهر بابه
أ-"بابه خش واقفل الدرابة" أي الطاقة النافذة الضيقة في البيوت الريفية اتقاء للبرد في هذا الشهر.
ب- "إن صح زرع بابه يغلب النهابة، وإن خاب زرع بابه ما يجيبش ولا لبابه" أي أن كثرة المحصول في بابه مربحة مهما اتنهب منها.
3- شهر هاتور (10/11 نوفمبر) فصل آخت أي الفيضان
نسبة إلى حتحور إلهة الجمال والعطاء والحب والموسيقى.
وبالنسبة للأمثلة عن شهر هاتور
أ- "هاتور أبو الدهب منثور" يقصد بالدهب القمح.
ب- "إن فاتك زرع هاتور اصبر لما السنة تدور".
ج- "هاتور ازرع لتبور" المقصود آخر ميعاد للزراعة
4- شهر كيهك (10/11 ديسمبر) ) فصل آخت أي الفيضان
مشتق من التعبير كا-حر-كا أي قرين في قرين. ومعناه: عيد اجتماع القرائن عند المصريين القدماء.
أما الأمثلة التى قيلت في شهر كيهك
أ- "كيهك صباحك مساك، تقوم من فطورك تحضر عشاءك!".
ب- "كياك صباحك مساك، شيل يدك من غداك، وحطها في عشاك" إشارة إلى قصر النهار في هذا الشهر وطول الليل.
ج- "البهايم اللي متشبعش في كيهك ادعي عليها بالهلاك".
5- شهر طوبة (9/10 يناير) فصل البرت أي البذر
مشتق من الكلمة المصرية القديمة شف بدت في الدولة الوسطى وتاعبت في الدولة الحديثة وهو أحد الاعياد.
ومن الأمثلة عن شهر طوبة في شهر طوبة يشتد البرد فيقال:
أ- "طوبة تخلى العجوزة كركوبة، من كثرة البرد والرطوبة"
ب- "طوبة تخلي الصبية جلدة والعجوزة قردة"
ج- "طوبة تزيد الشمس طوبة"
د- "الغطاس عيد القلقاس واللي مايأكلش قلقاس يوم الغطاس يصبح جته من غير راس"
6- شهر أمشير (8/9 فبراير-9 مارس) فصل البرت أي البذر
إشارة إلى عيد يرتبط بالاله "مع خر" فى الدولة الحديثة وهو الاله المسئول عن الزوابع.
وقد اشتهر الشهر بهبوب الرياح القوية، وبرودة الجو الشديدة.
في شهر أمشير تكثر الرياح الشتوية مع موجه من البرد، و يعتقد الناس انه يستلف 10 أيام من شهر طوبة الذي يسبقه. في نهايته تغير الرياح اتجاهها فتهب من الجنوب مع أعاصير أحيانا وتتبدل برودتها إلى سموم وهي الرياح الساخنة التي ينضج الزرع بسببها. يقول المثل: "أمشير تساوي الطويل مع القصير" يعني الزرع. ويكثر تساقط أوراق الأشجار بسبب الهبوب والسموم الحارقة، كما أن هذه الرياح لها خاصية تجعل السنابل التي لم تمتلئ بعد ممتلئة ليتساوى الزرع في مواعيد الحصاد.
أما شهر أمشير فقد قيل عنه:
أ- "أمشير أبو الزعابير الكتير ياخد العجوزة ويطير"
ب- "أمشير يقول لبرمهات عشرة منى خد وعشرة منك هات نطير العجوز بين السفكات"
ج- "الاسم لطوبة والفعل لأمشير"
د- "أمشير أبو الزعابير يخلى العجوز تقيد الحصير"
ويعنى أنه ذو رياح وبرد شديد يجبر الناس على إشعال النار للدفئ، ويضرب به المثل في التغيرفى المزاج لتباين الجو فيه.
7- شهر برمهات (10/11 مارس – 8 إبريل) فصل البرت أي البذر
نسبة إلى الملك أمنحتب با إن أمنحتب،
وفيه ينحسر فيضان النيل وتبدأ المحاصيل في النمو في أرض مصر. واسم الشهر نوع من التقدير والعرفان للملك أمنحتب الأول.
وفي هذا الشهر تأتي رياح الحسوم التي ذكرها القرآن الكريم فى سورة الْحاقة، بسم الله الرحمن الرحيم "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ" (7). ويطلق عليها أيضا برد العجوز.
أما الأمثلة التى قيلت عن شهر برمهات
أ-"برمهات روح الغيط وهات قمحات وعدسات وبصلات".
8- شهر برمودة (9 أبريل-8 مايو) فصل البرت أي البذر
نسبة إلى إلهة الحصاد (پا إن رنوتت).
وعن شهر برمودة:
أ- "برمودة دق العامودة" أي دق سنابل القمح بعد نضجها.
9- شهر بشنس (9 مايو-7 يونيو) فصل الشمو الحصاد
نسبة إلى الاله خونسو (خنس في القبطية) إله القمر عند الفراعنة وممثل دور الابن في ثالوث طيبة.
وعن شهر بشنس:
أ-"بشنس يكنس الغيط كنس"
ب- "في بشنس خلى بالك من الشمس"
10- شهر بؤونه (8 يونيو-7 يوليو) فصل الشمو الحصاد
نسبة إلى عيد "إنت" أي عيد الوادي وهو العيد الذي ينتقل فيه آمون من شرق النيل إلى غربه، كانت القرابين تقدم تكريما للموتى.
كان يحتفل به في يوم ميلاد القمر في ذلك الشهر، ويسميه العامة بؤنة الحجر نسبة لشدة القيظ.
أما شهر بؤونه فقد قيل عنه:
أ- "بؤونه نقل وتخزين المونة" أي المؤنة للاحتفاظ بها بقية العام، خشية الفيضان الجارف أو انقطاع الفيض.
ب- "بؤونة تكتر فيه الحرارة الملعونة"
ج- "شهر بؤونة يفلق الحجر"
11- شهر أبيب (8 يوليو- 6 أغسطس) فصل الشمو أي الحصاد
نسبة إلى عيد إيبت حمت فى الدولة الوسطى وأبيبى في الدولة الحديثة عند المصرى القديم
ومن الأمثلة التى قيلت عن شهر أبيب:
أ- "أبيب فيه العنب يطيب"
ب- "أبيب طباخ العنب والزبيب"
ج- "إن كلت ملوخية في أبيب هات لبطنك طبيب"
د- "أبيب مية النيل فيه تريب" نسبة إلى الفيضان.
12- شهر مسرى (7 أغسطس – 10 سبتمبر) فصل الشمو أي الحصاد آخر الشهور القبطية
نسبة إلى مسو- رع أي ولادة رَع
وقيل عن شهر مسرى:
أ- "عنب مسرى إن فاتك متلقاش ولا كسرة" أي الحث على الإسراع في زراعة الذرة.
ب- "تجرى فيه كل ترعة عسرة" حيث تزداد مياه الفيضان فتغمر كل مصر.
ويقال في الأمثال الأخرى، لم نر في مصر مثل: ماء طوبة، ولبن أمشير، وخروب برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك.
وهكذا كانت الهوية المصرية تكمن في مجموعة من الأمثال التى انبثقت من التقويم المصري القديم واستمرت في حياة الإنسان المصري اليومية يتعامل معها دون أن يدرى بأنها جزء من تراث قديم، قدم التاريخ المصري ومعبرا عن الشخصية والهوية المصرية المتفردة.
* الأستاذة الدكتورة/ سلوى كامل، أستاذ الآثار والديانة المصرية القديمة ورئيس قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة