​د. سمر أبو الخير تكتب: دور الآباء في علاج تأخر النطق والكلام عند الأطفال

الثلاثاء، 28 أبريل 2026 09:34 م
​د. سمر أبو الخير تكتب: دور الآباء في علاج تأخر النطق والكلام عند الأطفال د.سمر أبو الخير

​ليس صوت الطفل مجرد كلمات تتشكل، بل هو انعكاس لعالم كامل يتكون داخله، عالم يبدأ من البيت، من تلك اللحظات الصغيرة التي قد يظنها الأب عابرة، بينما هي في الحقيقة حجر الأساس لكل جملة سينطقها ابنه لاحقًا. وهنا تحديدًا، يتجاوز دور الأب فكرة الحضور التقليدي، ليصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيل اللغة، لا تابعًا لها. 

​تشير أحدث الدراسات العلمية العالمية إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة تفاعلية ثرية لغويًا، يشارك فيها الأباء، يحققون تقدمًا أسرع في المفردات والتعبير. ومع ذلك، لا يزال كثير من الآباء ينظرون إلى تأخر النطق بوصفه شأنًا تربويًا يخص الأم وحدها، وهو تصور لا تدعمه الأدلة، بل قد يفاقم المشكلة بصمت. 

​إن تأخر النطق ليس ظاهرة واحدة يمكن تفسيرها بنمط ثابت، فبعض الأطفال يتأخرون نسبيًا في الكلام رغم امتلاكهم قدرة جيدة على الفهم، وغالبًا ما يتجاوزون هذه المرحلة بدعم بسيط ومبكر، في حين توجد حالات أكثر تعقيدًا ترتبط باضطرابات لغوية أو مشكلات سمعية أو عوامل عصبية تستلزم تدخلًا متخصصًا. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نسبة الأطفال الذين يعانون من تأخر لغوي في مرحلة ما قبل المدرسة تتراوح ما بين 10% و15%، بينما يحتاج نحو 7% منهم إلى رعاية علاجية متخصصة، وهي مؤشرات تعكس حجم المسؤولية الملقاة على الأسرة، وتبرز بشكل خاص أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الأب في مسار التدخل المبكر. 

​لكن السؤال الأهم ليس لماذا يتأخر الطفل؟ بل: كيف يساهم الأب – دون أن يدري أحيانًا – في هذا التأخر؟ 
​في كثير من البيوت، يحضر الأب جسديًا ويغيب لغويًا، ساعات طويلة تمر دون حوار حقيقي مع الطفل، تقتصر على أوامر مختصرة مثل: "كل"، "اجلس"، "قف". وفي ظل هذا الصمت النسبي، يجد الطفل نفسه أمام بديل جاهز وهو شاشة رقمية تملأ الفراغ، لكنها لا تخلق تفاعلًا، وتتسبب في تدهور حالة الطفل وزيادة أعراض اضطرابات طيف التوحد عنده؛ بعد أن أصبح مجرد متلقي فقط يستقبل المعلومات دون تفاعل أو نقاش. وقد أكدت الأكاديميات العلاجية السلوكية العالمية أن غياب دور الأب واستبداله بالشاشات الرقمية يهدد حياة الطفل ويزيد من تعميق أزمة تأخر النطق. 
​الأمر لا يتوقف عند الشاشات، بل يمتد إلى شكل التفاعل ذاته؛ فاللعب دون حديث، أو استخدام لغة مبسطة بشكل مخل، يُفقد الطفل فرصًا لبناء نظامه اللغوي. حيث تشير دراسة حديثة إلى أن الفارق في عدد الكلمات التي يسمعها الطفل بين البيئات التفاعلية وغير التفاعلية قد يصل إلى ملايين الكلمات. 
​إن الأب لا يحتاج إلى أدوات معقدة، بل إلى وعي بالممارسات اليومية، فنصف ساعة من الحوار اليومي قد تغير المسار بالكامل. كما أن القراءة التفاعلية، حين يقرأ الأب قصة ويسأل طفله عما فيها، تفتح باب التفكير والتعبير، وقد تزيد الحصيلة اللغوية بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالقراءة التقليدية. 
​وفي تفاصيل الحياة اليومية تكمن الفرص الأكبر؛ فعند الطعام يمكن للأب استخدام "التوسعة اللغوية" بدل التصحيح المباشر، وفي الطريق أو أثناء اللعب يمكن تحويل المشاهد العابرة إلى دروس لغوية حية لوصف الألوان والحركة. ومن المهم أن يدرك الأب أن التشجيع والتعزيز الإيجابي يزيد من محاولات الكلام، بينما الضغط القاسي قد يدفع الطفل إلى الصمت. 
​ومع ذلك، هناك لحظات يصبح فيها اللجوء إلى مختص ضرورة؛ كأن يبلغ الطفل عامه الثاني دون كلمات مفهومة، أو الثالث دون جمل بسيطة، أو حين لا يستجيب لاسمه. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التدخل المبكر قبل سن الخامسة يرفع فرص التحسن بنسبة تتجاوز 70%، لكن نجاح هذا التدخل يظل مرهونًا ببيئة منزلية داعمة يكون الأب أحد أعمدتها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة