ناهد صلاح

أداجيو.. اللحن الأخير

السبت، 18 أبريل 2026 09:46 ص


هل يمكن لمسرحية رومانسية أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في زمن تزداد فيه الحروب والنزاعات ويتحوّل العنف إلى مشهد يومي مألوف؟ هل يصبح الحديث عن الحب ترفًا زائدًا، أم ضرورة خفية لمقاومة هذا القبح الممتد؟ ربما لا تغيّر العروض المسرحية مسار العالم، لكنها تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف نحافظ على إنسانيتنا وسط كل هذا الخراب، إن لم نتمسّك بتلك اللحظات الهشة التي تذكّرنا بأننا ما زلنا قادرين على الشعور بإنسانيتنا؟..

لعل هذه الأسئلة انتابتني عند مشاهدتي مسرحية "أداجيو.. اللحن الأخير" إخراج السعيد منسي عن رواية إبراهيم عبد المجيد، تعرض حاليا على مسرح الغد، وهي أسئلة بديهية صوب المسرحية التي تقترب من معنى "أداجيو" بوصفه إيقاعًا بطيئًا، لا يكتفي بالتعبير عن الحزن، بل يمدّه زمنياً، يمنحه مساحة ليتخمّر داخل النفس. هذا البطء ليس مجرد خيار إيقاعي، بل هو جوهر الرؤية، إذ لا تتحرك الشخصيات نحو حدث، بل نحو إحساس يتراكم، كأن العرض كله محاولة للإقامة داخل لحظة الفقد، لا تجاوزها، إنه إذن اختيار جمالي يضع المتلقي في حالة زمن ممتد أقرب إلى التأمل منه إلى التلقي التقليدي القائم على الترقب.

المسرحية، لا تنقل رواية إبراهيم عبد المجيد فقط بقدر ما تعيد تقطيرها. الرواية بطبيعتها تتشعب، تتوزع بين أمكنة وأزمنة وأصوات متعددة، بينما يتحول هذا الاتساع على المسرح إلى تركيز، وهذا التعدد إلى توتر داخلي مكثف. هنا اختار المخرج السعيد منسي الانحياز إلى جوهر التجربة لا تفاصيلها، إلى العلاقة الإنسانية في أقصى هشاشتها، لا إلى سياقاتها الخارجية، ما يعكس وعيًا بطبيعة الوسيط المسرحي، اختيار منهجي يعيد صياغة مفهوم الزمن السردي في الرواية ليصبح زمناً شعورياً في المسرح، حيث يتحول النص من مجرد حكاية عن فقدٍ مادي إلى حالة صوفية في الفقد ذاته، حولت خشبة المسرح إلى فضاء تفتت فيه الروح البشرية أمام المرض والزمن.

في هذا السياق، يصبح المرض ليس حدثًا، بل حالة وجودية ضاغطة، تدفع الشخصيات إلى التعرّي أمام ذواتها. لا شيء يحدث بالمعنى التقليدي، لكن كل شيء يتآكل ببطء: الجسد، الذاكرة، المكان، وحتى القدرة على الاحتمال، ليتحول المرض إلى استعارة كبرى عن الفقد التدريجي.

إنها الحالة شديدة الخصوصية بين "ريم" عازفة البيانو التي أصابها المرض العضال وأصبحت تعيش على الحافة الرقيقة بين الحياة والموت،وزوجها "سامر" الذي يعتني بها بإصرار يشبه الإنكار، يعيشان داخل لحظة معلّقة بين البقاء والفقد. ريم، تتآكل حياتها لكنها ما زالت تحتفظ بقدرة عجيبة على تحويل الألم إلى نغمة، بينما سامر يقف في مواجهة هذا التلاشي بعقل يرفض التصديق، يتمسك بها كما لو أن الإرادة وحدها كفيلة بإيقاف الزمن. بينهما حب يهمس في أرجاء الفيلا التي تتداعى بدورها، كأنها تشاركهما المصير ذاته. تصبح العناية شكلًا من أشكال المقاومة، ويغدو الإنكار طريقة أخرى للحب، فيما تتحول الفيلا كلها إلى كائن ثالث ينهار معهم، دون أن يعلن سقوطها بعد. ألم أقل أنها حالة شديدة الخصوصية، تختلف عما قد يحدث خارجها، لعل هذا ما عبر عنه "سامر" مذهولًا عند حدود ما لا يراه كاملًا، لكن يسمعه جيدًا، عنف العالم وضجيجه يتسلل من خارج الفيلا كإنذار لا يتوقف: عصابات تقتحم البيوت، أطفال يُختطفون، خوف يتكاثر بلا رادع. فيتساءل في ارتباك: كيف يمكن لكل هذا الشر أن يحدث على بُعد خطوات، بينما هو هنا، مع حبيبته، كأنهما معزولان عن الزمن، كأن الفيلا جزيرة صغيرة تطفو فوق بحر من العنف؟.

إذا كان العرض يُبنى على فكرة ال "أداجيو"، فإن أداء هبة عبد الغني لدور "ريم" هو التجسيد الأكثر وضوحًا لهذا الإيقاع. حيث تقف في قلب الدائرة، ليس باعتبارها بطلة تقود الحدث، بل بوصفها مركز الجاذبية الشعورية التي يُعاد تشكيل كل شيء حولها. تغامر بأداء صعب، لأنه ليس استعراضيا، إنما متماهيا مع طبيعة الشخصية: صوت منخفض لا يسعى للهيمنة، حضور يبدو ساكنًا لكنه مشحون بارتعاشات داخلية دقيقة. هذا النوع من الأداء لا يعتمد على الفعل بقدر ما يعتمد على ما يسبقه وما يتبعه، على الفراغ بين الجمل، على الصمت بوصفه لغة كاملة. إنها لا تقدم شخصية مريضة بالمعنى الميلودرامي، بل كائنًا يتراجع تدريجيًا عن العالم، كأن الجسد نفسه يتخلى عن التزامه بالحضور، ما يضع الأداء في منطقة دقيقة بين التمثيل.. امرأة تنسحب من الحياة ببطء شيئاً فشيئاً، في المشاهد الغنائية تحديدًا، يتكشف بعد آخر في أدائها، حيث يذوب التمثيل في الإحساس، وتتحول الشخصية إلى صوت داخلي ممتد، كأن الغناء هو المساحة الوحيدة التي لا تزال قادرة على التنفس فيها. يمكن القول إن هبة عبد الغني لا تفرض حضورها عبر القوة، بل عبر الهشاشةالمدروسة، وهو خيار صعب، لكنه حين ينجح فإنه يترك أثرًا عميقًا، لأنه يعتمد على تواطؤ المتلقي مع الإشارة لا مع التصريح.

في المقابل، يأتي أداء رامي الطمباري بوصفه الامتداد المقابل لهذه الحالة، لا منافسًا لها بل مرآة تعكسها من زاوية أخرى. فإنه أيضًا لا يقدم شخصية تتصدى للألم، بل شخصية تتآكل ببطء تحت وطأته. اعتماده على تصاعد تدريجي دون قفزات مفاجئة يمنح الأداء مصداقية عالية، حيث يبدو الانهيار نتيجة حتمية لتراكم طويل، وليس وفق لحظة درامية مصطنعة، وهو ما يمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا بعيدًا عن التهويل، يتجلى هذا في قدرة الطمباري على تجسيد ثقل الانتظار، ليتحول من مجرد زوج معتني إلى حارس لحبيبته، يراقب تداعي العالم من حوله، سواء في البيت المتصدع أو في جسد زوجته.

أما بقية فريق العمل فيتحركون كدوائر تحيط بهذا المركز، يضيف كل منهم طبقة دون أن يزاحم البؤرة الأساسية. بسمة شوقي في دور "غادة" صديقة الزوجة، تنجح في الإمساك بتعقيد منطقة رمادية، حيث لا تبدو الشخصية خائنة ولا وفية بالكامل، بل إنسانًا يتخبط داخل رغباته وتناقضاته، مما يجنّب الدور الوقوع في المباشرة الأخلاقية. جورج أشرف في دور "عثمان" سائق التاكسي، يلعب دورًا حيويًا في ضبط الإيقاع، متنقلًا بخفة بين التراجيديا ونبرات أخف تمنع العرض من الغرق الكامل في قتامة واحدة، ليؤدي وظيفة تنفس درامي ضرورية. محمد دياب في دور بواب الفيلا، يرسخ العالم المحيط بثقل هادئ وخبرة تمنح التفاصيل مصداقيتها، بينما تتكامل بقية الأدوار في خلق نسيج جماعي متماسك لا يعتمد على فرد بقدر ما يعتمد على شبكة علاقات حساسة، ما يعزز فكرة أن التجربة إنسانية مشتركة لا بطولة فردية.

الموسيقى هنا ليست مرافقة، بل هي بنية موازية للسرد. ألحان رفيق جمال، مع كلمات حامد السحرتي، تعمل كجسر  يختصر ويكثف لحظات شعورية محيطة. أما الديكور والإضاءة، فلا يقدمان مكانًا بقدر ما يخلقان الحالة النفسية المرهفة: فضاء شبه مغلق، يتكرر ويتحوّل، كأنه امتداد للحالة النفسية، حيث يتحول المكان إلى انعكاس للداخل لا محيطًا خارجيًا ثابتًا.

الرواية الأصلية كما سبق أن أشرت، تقوم على التعدد: تعدد الأصوات، الأمكنة، الأزمنة. أما المسرحية، فتختار الاختزال، وتدفع بكل هذا الاتساع نحو نقطة واحدة: الإنسان في مواجهة الفقد. قد يُفقد بذلك بعض العمق الاجتماعي والسياسي، لكن يُكتسب عمق آخر، أكثر كثافة: عمق الإحساس اللحظي، وهو عمق يعتمد على التلقي الحسي المباشر أكثر من التحليل العقلي الممتد.

لا تترك المسرحية أثرها عبر ما ترويه، بل عبر ما تُشعر به، وهذا ربما هو جوهر ال "أداجيو": أن يظل اللحن يتردد في الداخل، حتى بعد نزول الستار ، أي أن الأثر الحقيقي للعمل يتشكل بعد انتهائه، في الذاكرة والانفعال لا في الحدث ذاته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة