عمرو منير: رسالة مصرية من القرن الـ19 تكشف أذواق أهل القاهرة زمان

السبت، 07 مارس 2026 04:38 م
الدكتور عمرو منير

محمد شرقاوى

أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن تاريخ الحياة اليومية في مصر يكشف كثيرًا من التفاصيل المدهشة عن المجتمع وطباعه، مشيرًا إلى أن أحد النماذج اللافتة في القرن التاسع عشر هو الكاتب المصري المعروف باسم ابن الشبوكشي، الذي ظهر في قلب القاهرة حوالي سنة 1850، وكان شخصية غريبة الأطوار إلى حد ما، لكنه امتلك موهبة لافتة جعلته يكتب عن الأكل والشرب والقهوة والدخان بأسلوب غير تقليدي، إذ لم تكن كتابته عادية، بل جاءت في صورة نثر منظوم، حتى بدا الطعام في كتاباته كأنه قصيدة وهو الشاعر الذي يحكم عليها.

وأضاف أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس اليوم السبت، أن كتاب ابن الشبوكشي طُبع في مطبعة بولاق، وهو ما يعكس أن العمل لم يكن مجرد كتاب قديم، بل كان بمثابة شهادة ميلاد لرسالة فريدة من نوعها في القرن التاسع عشر؛ رسالة منظومة تتناول الأكل والشرب والدخان والقهوة، كما أن مجرد طباعتها في تلك الفترة كان دليلًا على أن صاحبها لم يكن شخصًا عاديًا، بل كاتبًا يخاطب جمهورًا واسعًا، وقدّم رسالته للناس قبل شهر رمضان، نظرًا لارتباط هذا الشهر دائمًا بالسفرة والأطباق التي تتغير، والبيوت التي تتنافس في إعداد أفضل المأكولات.

وأوضح الدكتور عمرو منير أن من بين الصفحات اللافتة في الرسالة حديث ابن الشبوكشي عن الملوخية البراني، وهي ليست الملوخية التي يعرفها المصريون اليوم بطريقتها المعتادة، بل ملوخية شامية تُطهى بورقها كاملًا مع اللحم والتوابل، وكانت منتشرة في القاهرة آنذاك بسبب وجود الشوام وتأثيرهم في المطبخ القاهري، وهو ما يكشف أن المصريين كانوا يتعرفون تدريجيًا على أشكال مختلفة من الأطعمة، رغم أن كثيرين اليوم يظنون أن الملوخية نوع واحد فقط.

وأشار إلى أن علاقة ابن الشبوكشي ببعض الأطعمة لم تكن دائمًا إيجابية، فقد كانت علاقته بالقلقاس سيئة للغاية، حتى إنه قال عنه: "إن كان بلا رز فاعرضوا عنه دون ذنب"، وكأنه ينصح الناس بلطف أن يتركوه إن لم يُقدَّم مع الأرز، من دون أن يسيئوا إليه، وهو تعليق طريف يعكس أن النظرة السلبية للقلقاس قديمة جدًا، وربما تعود إلى ارتباطه بالريف أكثر من ارتباطه بالقاهرة في ذلك الوقت، وهو ما جعل كثيرًا من الناس يستبعدونه من موائدهم.

وبيّن أستاذ التاريخ والحضارة أن الرسالة، لأنها كُتبت قبل رمضان، أفردت بابًا كاملًا لما كان يُسمى الخشافات، أي البلح والتين والتمر والقراصيا والمشمش المجفف، حيث كان ابن الشبوكشي مولعًا بالخشاف الذي يحتوي على التين والقراصيا، معتبرًا إياه خفيفًا يفتح النفس ويبرد الجسم في الحر، وهو أمر كان مهمًا في القاهرة قبل ظهور الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة، كما أشار إلى التمر الهندي بوصفه مشروبًا مفيدًا في تقليل الحرارة وكان محبوبًا لدى الفقير والغني على السواء.

وأوضح الدكتور عمرو منير، أن المفاجأة في الرسالة كانت موقف ابن الشبوكشي من قمر الدين، إذ كان معارضًا له تمامًا، حيث قال إنه إذا صُنع عصيرًا مُحلى بالسكر فالأفضل الابتعاد عنه، لأن قمر الدين في ذلك العصر كان يأتي على هيئة ألواح ثقيلة تُفكك في الماء ليخرج منها مشروب ثقيل على المعدة، وهو ما يفسر عدم إعجابه به، موضحًا أن هذه الرسالة على بساطتها تكشف الكثير عن مطبخ القاهرة في ذلك الزمن، وعن الأطعمة التي اختفت أو بقيت، وكيف كان الناس يقيمون الطعام، وعلاقة رمضان بالسفرة، وتأثير الشوام في المطبخ القاهري، مؤكدًا أن ابن الشبوكشي لم يكن يكتب عن الطعام فقط، بل عن النفس والاعتدال، وعن الحياة المصرية البسيطة بعلم ومحبة وراحة قلب، ليترك لنا ذكرى جميلة مفادها أن الطعام ليس مجرد وجبة، بل حكاية وذوق وروح وجزء من تاريخ مصر الذي يعيش في كل بيت، وأن رمضان يظل حكاية مصرية متجددة.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة