بيشوى رمزى

من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ"GAPS"

الخميس، 05 مارس 2026 11:43 ص


إذا كانت الدول أصبحت أشبه بالمستخدمين في البنية التشغيلية الجديدة، والسيادة أصبحت العملة الجديدة المعتمدة للاشتراك في الهياكل الجديدة، والمجتمع الدولي هو السوق الذي يتم فيه تداول تلك العملة، فلا يتعلق السؤال الأهم في اللحظة الراهنة بكيفية التداول، بقدر ما يتعلق بدرجة المخاطرة في سوق الـ"GAPS" أو " Global Architecture for Policy Sovereignty " (الهندسة العالمية لسيادة السياسات)، والذي أصبح التحرك داخله أشبه بالأسواق المالية، حيث تتحرك الدول بين استراتيجيتين أساسيتين، وهما التحوط والمضاربة.

ولعل مفهوم المضاربة، في إطار العلاقات الاقتصادية والمالية، يمثل ذروة المخاطرة، التي يدفع نجاحها نحو قفزة كبيرة يمكن ان تتجاوز بها الدولة أقرانها بمراحل واسعة، بينما تؤدي الخسارة إلى تراجع حدي، وهو ما إذا طبقناه على السيادة، في العلاقات الدولية، يمثل مقامرة، قد يترتب عليها صعودا دوليا، يدفع بالدولة نحو الاقتراب من المركز أو ربما مزاحمته، او قد يهبط بها الهاوية، حال الفشل، مما قد يؤدي إلى إقصاء كامل من الشبكة الجديدة، في ضوء المرونة الكبيرة التي تحظى بها تلك الشبكات في إطار عضويتها المشروطة والانتقائية.

المخاطرة الكبيرة، وغير المحسوبة أحيانا، في إطار المضاربة، غالبا ما تدفع بها الى الخلف كخطوة لاحقة، في ظل تداعياتها الكارثية، في إطار إدارة الدول لعلاقاتها داخل الشبكة، بحيث تكون هناك خطوات سابقة، تهدف في الاساس إلى تثبيت قيمة السيادة عند حد معين، بحيث لا يمكن التراجع عنه، حال خسارة رهانات مرحلية، أو بالأحرى ترسيخ موقع الدولة داخل الشبكة، بالتالي صعوبة الإقصاء حتى إذا ما تراجعت القيمة مرحليا، وهو ما يمكننا تسميته بـ"التحوط السيادي".

التحوط السيادي في هذا الاطار هو بمثابة مخاطرة محسوبة تتخذها الدولة، تهدف في الاساس إلى رفع تدريجي لقيمة الدولة داخل المنظومة، حتى يمكنها الوصول الى مستوى معين من القمة لا يمكن التراجع عنه، بينما المضاربة هي مقامرة تهدف الى صعود مباشر لمزاحمة المركز، ولكن يبقى الثمن مختلفا في الحالتين، فالأولى محسوبة وتدريجية تساهم في تعزيز الدور، وحتى احتمالات الخسارة فيها محدودة على اعتبار أن التحرك نفسه داخل الشبكة او خارجها ليس مزعجا للمركز على عكس المضاربة التي قد تراها الدولة القائد تهديدا لمكانتها وبالتالي يمكنها اتخاذ خطوات من شأنها التضييق عليها عبر تقييد وصولها إلى ادوات معينة او حرمانها من بعض المزايا او حتى تغليب كفة دولة منافس عليها، باعتبارها تملك القواعد ولديها القدرة على تغييرها، فالمضاربة في واقع الأمر ليست في حسابات المركز، لأن المركز لا يضارب في السوق، بل يدير قواعده

والواقع أن أشكال التحوط السيادي قد أشرت إلى أحد أبعادها في مقالي السابق، عندما تناولت التحالفات البينية، باعتبارها أحد الوسائل التي يمكن من خلالها تعزيز دور الدولة داخل الشبكة الكبرى عبر دور مؤثر داخل شبكة فرعية في الداخل، كما أن مثل هذه التحالفات من شأنها تحرك جمعي محدود للأطراف في مواجهة هيمنة المركز، وهو ما يعزز دورهم الجماعي داخل المنظومة نفسها، وبالتالي إضفاء قدر من الثقل الفردي لكل دولة داخل المنظومة الكبيرة، بحسب دورها داخل الشبكة الصغيرة.

إلا أن ثمة أشكال أخرى لـ"التحوط السيادي"، أبرزها تنويع الشراكات مع أطراف خارج الشبكة، سواء على مستوى فردى (دول) أو جمعي (شبكات منافسة)، وهو ما يشبه تنويع سلة العملة، والتي تقوم في إطار السياسات النقدية على توزيع الاحتياطات على أكثر من عملة (الشراكات) بدلا من الاعتماد على عملة واحدة (الدولة المركز)، مما يساهم في التقليل من حدة المخاطر.

بينما قد ترتفع درجة "التحوط" إلى درجة أكبر، لتتحول نحو "المضاربة السيادية" ، عبر تحويل الشراكات التدريجية الى انغماس كلي في شبكات منافسة، والخطورة هنا ليست في مجرد الانغماس في اكثر من ساحة، ولكن تتجلى في جوهرها فيما تمتلكه الدولة من إمكانات تؤهلها لخلق مساحة من التفاوض مع دول المركز في مختلف الشبكات، فلو كانت الدولة غير مؤهلة عبر بنية أساسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، فيصبح الانتقال بين الشبكات، مكلفا إلى حد خسارة موقعها على كافة الأنظمة وبالتالي الانعزال الكلي عن العالم.

إذاً المضاربة المحسوبة هي جزء من التحوط عالي المخاطر وليست انتحارا سياديا، والذي يحدث حال عدم امتلاك الدولة للمقومات التي تسمح لها بالمناورة، وهو ما يفسر بعدا آخر، يمكننا أن نضعه في الإطار الاقتصادي بـ"الاستثمار عالي المخاطر"، وهو بالمفهوم السيادي يقوم على تدشين جزء كبير من ميزانية الدولة في تحديث بنيتها، بحيث يؤهلها للمنافسة في سوق السيادة في زمن الـ" GAPS ".

هنا يمكننا القول بأن السيادة في حقبة الـ”GAPS” لم تعد مجرد صفة قانونية تملكها الدول، بل أصبحت رصيدًا استراتيجيًا يتحدد موقعه داخل سوق عالمي مفتوح على المنافسة والمخاطرة. فبين تحوط يسعى إلى تثبيت القيمة، ومضاربة عالية المخاطر تستهدف القفز في المكانة، تتحدد قدرة الدول على الصعود داخل المنظومة الجديدة، حيث لم يعد البقاء في الشبكة مضمونًا، بل مرهونًا بقدرة كل دولة على الاستثمار في سيادتها وتعظيم قيمتها داخل النظام الدولي المتغير.

 

إقرأ أيضا

من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة

"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟

من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"

فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم

من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ"GAPS"




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة