قديماً قال الحكماء والمفكرون وتبعهم العامة تعبيراً وتوصيفاً عندما يتجبر فرد، أو قبيلة أو عائلة أو إمبراطورية وصولاً للدولة والإمارة والمملكة، ويعتقد أن القوة والمال والسلطة هي ما ستوفر له الغلبة عند الدخول في صراع أو حرب دون النظر إذا كان على حق أو باطل، تسبقه لغة القوة معتقداً أن الشر من الممكن أن يدوم انتصاره على الخير؛ وفق تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي.
إن انتصار الشر على الخير له شروط وفق النواميس الطبيعية التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الكون، فالخير دائماً منتصر إذا فعل أهل الخير القاعدة الإلهية التي أصيغها كباحث في نظرية التجذر الحضاري وركيزتها الأساسية: "الماديات" وهي الأخذ بالأسباب والعمل والعلم، و"العبادات" وهي التقوى وجبر الخواطر؛ فوفق القاعدة الصفرية، إذا تساوى أهل الخير مع أهل الشر في الذنوب تكون الغلبة لأهل الشر مؤقتاً لحين تطبيق المعادلة، وإذا أغفل أهل الخير دمج الماديات -على قدر استطاعتهم- مع العبادات تكون الغلبة لأهل الشر مؤقتاً لحين تطبيق المعادلة.
وهنا كباحث متخصص في حروب القيم والروابط المجتمعية، أوضح من مفهوم بحثي أن القانون الإلهي واضح، والنصر بيد الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] صدق الله العظيم.
ورسالتي لجميع شعوب وحكومات العالم الباحثة عن الأمن والسلام، أن قدرة الله تعالى تعلو فوق كل قدرة، و"تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"؛ إن الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى قمة القوة العالمية كقطب أوحد يصنف دول العالم حسب تصنيفه المنفرد بعيداً عن المنظمات الدولية بشعار "من ليس معنا فهو عدونا"، مع فرض عقوبات اقتصادية على أغلب دول العالم خارج المنظمات الدولية في انتهاك واضح للأعراف الدبلوماسية.
إن نتائج هذه الحرب هامة جداً بالنسبة للعالم، فهل تسود لغة القوة على لغة القانون؟ وبالنسبة لباقي دول العالم التي تختلف مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتخوض فترة مخاض صعبة لتحويل العالم إلى عالم متعدد الأقطاب، فقد طالبت روسيا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بوقف الحرب والعودة إلى الدبلوماسية، وتبعتها الصين.
وتقود مصر دبلوماسية رشيدة للتهدئة، فتواصلت مع جميع الأطراف خشية خروج الصراع عن السيطرة، واتصل سيادته بالرئيس الإيراني وزار دول الخليج، وأرسل وزير الخارجية المصري في جولة مكوكية للعمل على الوصول لطاولة المفاوضات، وتعتبر التحركات المصرية في منتهى الحيادية والنزاهة، ولا بد للولايات المتحدة الأمريكية أن تتعلم من تجربة العدوان الثلاثي على مصر؛ فقد قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بشن حرب عدائية على مصر في وقت كانت فيه بريطانيا وفرنسا قطبي العالم، والملاحظ أن الطرف المشترك في الحربين هو إسرائيل، وأن الدولتين المعتدى عليهما (مصر وإيران) من الدول صاحبة الحضارة.
وهنا صدر الإنذار الشهير بوقف الحرب من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي لدول العدوان، ومن هنا تحولت القطبية العالمية من بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحولت القطبية أحادية للولايات المتحدة ومعسكرها الغربي، وبعد وصول الرئيس ترامب ورفعه شعار "فلنجعل الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظيمة مجدداً" وتخليه عن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ورفض أغلب دول الحلف المشاركة في الحرب، وانتقاله بالحرب من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا الاقتصادية وتهديده المباشر لأمن الغذاء والطاقة حول العالم، يبرز هنا تساؤل مشروع وفق عدة سيناريوهات: هل تقف الصين وروسيا والقوى الإقليمية الكبرى حول العالم موقف المتفرج؟ أم يكون لمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية سيناريو يحفظ ماء الوجه لجميع أطراف الصراع؟
لكن المؤكد من وجهة نظري البحثية أن العالم بعد الحرب على إيران لن يكون كما كان قبلها، ومن المؤكد أن لعنة حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 على القوى العظمى ستصيب الولايات المتحدة الأمريكية ودولتها الوظيفية إسرائيل.