على مدار عقود طويلة، حرصت جماعة الإخوان الإرهابية على تقديم نفسها باعتبارها "جماعة دعوية" تقوم على التربية والانضباط والعمل التنظيمي، إلا أن شهادات عدد كبير من المنشقين عنها كشفت صورة مختلفة تمامًا عمّا كان يُروَّج في العلن. فخلف الشعارات البراقة، برزت روايات تتحدث عن صراعات داخلية، وأوامر سرية، وهيكل تنظيمي مغلق يقوم على السمع والطاعة المطلقة، إلى جانب أزمات متكررة دفعت كثيرين إلى مغادرة التنظيم والانقلاب عليه بعد سنوات من الانتماء إليه.
ومع كل موجة انشقاقات جديدة، تتكشف تفاصيل أكثر عن طبيعة الحياة داخل الجماعة الإرهابية، وكيف تحولت الخلافات الفكرية والتنظيمية إلى صدامات حادة انتهت بخروج قيادات وشباب كانوا يومًا جزءًا من الصف الإخواني، بينما تحولت كتب المراجعات والشهادات الشخصية إلى وثائق تفضح ما يدور داخل التنظيم بعيدًا عن الصورة التي حاول ترسيخها لعقود.
دخلنا دعوة فوجدنا تنظيمًا مغلقًا
واحدة من أكثر العبارات تكرارًا في شهادات المنشقين كانت أن كثيرين انضموا إلى الجماعة باعتبارها كيانًا دينيًا أو إصلاحيًا، ثم اكتشفوا مع الوقت أنهم داخل تنظيم شديد الانغلاق، تحكمه قواعد صارمة ويُدار بعقلية سرية تتجاوز فكرة العمل الدعوي التقليدي.
ومن أبرز تلك الشهادات ما كشفه ثروت الخرباوي في كتابه "سر المعبد"، حيث تحدث عن البنية التنظيمية المغلقة داخل الجماعة، وآليات السمع والطاعة، وطبيعة العلاقات بين القيادات والقواعد، مؤكدًا أن التنظيم كان يقدّم الولاء للجماعة على أي انتماء آخر.
كما تناول مختار نوح في أكثر من شهادة إعلامية وكتابية طبيعة الانغلاق التنظيمي، كاشفًا عن أزمات داخلية وصراعات على النفوذ والقرار داخل الجماعة، خاصة في المراحل التي شهدت توترًا سياسيًا حادًا.
السمع والطاعة.. الأزمة الأكبر داخل التنظيم
تكشف شهادات عديدة أن مبدأ "السمع والطاعة" كان من أكثر الأسباب التي فجّرت الأزمات الداخلية. فبحسب روايات منشقين، لم يكن مسموحًا بمناقشة كثير من القرارات أو الاعتراض عليها بصورة حقيقية، بينما كان يُنظر إلى أي انتقاد داخلي باعتباره تهديدًا لوحدة التنظيم أو خروجًا على الصف.
وفي كتاب "كنت إخوانيًا.. وأصبحت مصريًا"، تحدث طارق البشبيشي عن تجربته داخل الجماعة، كاشفًا ما وصفه بحالة الانغلاق الفكري والتنظيمي، وكيف تتحول التربية داخل التنظيم مع الوقت إلى حالة من السيطرة على العضو فكريًا ونفسيًا، بما يجعل الولاء للجماعة مقدمًا على أي اعتبارات أخرى.
وأكد عدد من المنشقين أن حالة الانضباط التنظيمي تحولت مع الوقت إلى ما يشبه "الطاعة العمياء"، خاصة في الملفات السياسية الحساسة، وهو ما خلق حالة من الغضب المكتوم داخل قطاعات من الشباب الذين شعروا بأنهم مجرد أدوات تنفيذ لا يملكون حق النقاش أو المراجعة.
صراعات الأجنحة والقيادات
لم تكن الخلافات داخل الجماعة مجرد تباينات عابرة، بل وصلت في كثير من الأحيان إلى صراعات حادة بين قيادات وأجنحة مختلفة، خاصة بعد سقوط حكم الجماعة في مصر. فمع تصاعد الضغوط والانقسامات، بدأت تظهر خلافات حول إدارة التنظيم وطريقة التعامل مع الدولة وحدود التصعيد السياسي والإعلامي.
وكشفت شهادات عديدة عن وجود حالة من التخبط داخل الهياكل التنظيمية، واتهامات متبادلة بين قيادات الداخل والخارج بشأن المسؤولية عن الإخفاقات السياسية والتنظيمية، وهو ما أدى إلى انقسامات متتالية وخروج مجموعات شبابية وقيادات سابقة من التنظيم.
وتناول عدد من القيادات المنشقين في تصريحات إعلامية متعددة ما وصفوه بحالة "الصراع على النفوذ" داخل الجماعة، مؤكدين أن الخلافات الداخلية تصاعدت بصورة كبيرة بعد عام 2013.
الأوامر السرية والهيكل المغلق
عدد من المنشقين تحدثوا أيضًا عن وجود تعليمات داخلية لا تُناقش علنًا، يتم تمريرها عبر مستويات تنظيمية متعددة، في ظل هيكل شديد السرية يجعل كثيرًا من الأعضاء لا يعرفون الصورة الكاملة لما يدور داخل الجماعة.
وفي كتاب "قلب الإخوان" للقيادي المنشق ثروت الخرباوي، ظهرت روايات تفصيلية عن طبيعة التنظيم السري وآليات اتخاذ القرار والعلاقة بين الجهاز الخاص والقيادات التنظيمية، وهي الشهادات التي اعتبرها كثيرون من أبرز الوثائق التي تناولت البنية الداخلية للجماعة.
وبحسب تلك الشهادات، كانت بعض القرارات تُتخذ داخل دوائر ضيقة للغاية، بينما يُطلب من القواعد التنفيذ دون معرفة التفاصيل الكاملة، وهو ما خلق مع الوقت شعورًا متزايدًا بالغموض وفقدان الثقة داخل قطاعات من الأعضاء.
من الخلاف الفكري إلى الانشقاق الكامل
لم تبدأ كل الانشقاقات بسبب السياسة فقط، فبعض المنشقين تحدثوا عن مراجعات فكرية دفعتهم إلى الابتعاد عن الجماعة، خاصة بعد اكتشاف التناقض بين الخطاب المعلن والممارسات الفعلية داخل التنظيم.
وأشار آخرون إلى أنهم فوجئوا بسيطرة الحسابات التنظيمية على كل شيء، حتى على العلاقات الاجتماعية والقرارات الشخصية، إلى جانب محاولات عزل الأعضاء نفسيًا وفكريًا عن أي مصادر أو آراء مخالفة.
ومع الوقت، تحولت تلك المراجعات إلى مواقف علنية، خرج خلالها منشقون لكشف ما وصفوه بـ"الوجه الخفي" للجماعة، متحدثين عن الضغوط النفسية، وحالات الإقصاء الداخلي، والتخوين، والتشهير بكل من يقرر مغادرة التنظيم أو انتقاد قياداته.
حملات تشويه ضد المنشقين
اللافت أن كثيرًا من المنشقين أكدوا تعرضهم لهجوم حاد بعد إعلان خروجهم من الجماعة، سواء عبر حملات تشويه على مواقع التواصل أو من خلال اتهامات بالخيانة والعمالة والانقلاب على "المشروع الإسلامي".
شهادات تهز الصورة القديمة
على مدار السنوات الماضية، تحولت شهادات المنشقين وكتب المراجعات الفكرية إلى واحدة من أكثر الملفات إزعاجًا للجماعة، لأنها جاءت من أشخاص عاشوا داخل التنظيم لسنوات طويلة، وشاركوا في هياكله وتحركاته قبل أن يقرروا الخروج وكشف ما رأوه من صراعات وأزمات داخلية.
ومع تزايد تلك الشهادات، أصبحت صورة الجماعة التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا متماسكًا ومنضبطًا تواجه أسئلة صعبة حول طبيعة بنيتها التنظيمية، وحدود الشفافية داخلها، وحقيقة الصراعات التي ظلت لسنوات تُدار بعيدًا عن الأعين.