الاختلاف سنة كونية، وقد ميز الله سبحانه وتعالى البشر بالعقل ومنحهم حرية الاختيار من متعدد. ومهما حاول بنو البشر توحيد المفاهيم وتوحيد السلوك، لابد أن يكون هناك من يختلف؛ فالاختلاف طبيعة بشرية كمحصلة لاختلاف الأذواق والقيم والعادات والتقاليد... إلخ. وعند النظر فى الفروقات الفردية بين البشر نجدهم اختلفوا فى عبادته جل جلالته.
ودائماً نجد فى العلاقات الإنسانية حالات متعددة، منها: المتوافق، والمنسجم، والمتطابق، والمتعارض... إلخ. وهناك عدة أسئلة تظهر على السطح عند الاختلاف لابد أن نجد لها إجابات، ومنها: لماذا حين نختلف نفترق...؟ فإذا كان الاختلاف يؤدى إلى القطيعة، أين ذهب الود...؟ وإذا كان الاختلاف يؤدى إلى الهجر، فأين ذهبت المحبة...؟ وإذا كان الاختلاف يؤدى إلى الأحقاد، فأين ذهب الإخلاص...؟
قاعدة المعاملات الإنسانية والسلوك ترسخ للاختلاف كطرح لا بد منه كجزء لا يتجزأ ضمن سنن الحياة.
لماذا يسرع الناس أحياناً فى التخلص من أصدقاء وإخوان وأشخاص عاشوا معهم الكثير لمجرد اختلاف على شيء تافه ولا يُذكر؟ وكأن الذكريات مجرد ورقة ترمى فى سلة المهملات..!!
وهنا لابد أن أعبر عن إشكالية الاختلاف؛ فيؤلمنى شيطنة المختلفين وعدم الفهم العميق لفلسفة الاختلاف وفق معايير مهنية بعيداً عن الأشخاص.
وكى نتعاطى مع الإشكالية لابد أن نقارن فلسفة الاختلاف فى عصر ما قبل الإنترنت، حيث الارتباط بالبيئة المحلية والعادات والتقاليد والمستوى العلمى والثقافى ضمن معايير واضحة للاختلاف.
وبظهور عصر العولمة تداخلت الثقافات والقيم، وأصبحت الأجيال الجديدة رهينة لعالم الفضاء الإلكترونى، وأصيبت العائلات بالخرس الاجتماعى، وسيطرت بعض وسائل التواصل الاجتماعى على عقول الناس دون علم أو معرفة، اعتماداً على معلومات يتم تداولها عبر "السوشيال ميديا"، وفى بعض الأحيان يتم تبادل المعلومات عبر كيانات تضم مجموعة من البشر تربطهم مصالح حياتية متنوعة.
وفى عالم الفضاء الإلكترونى توجد قاعدة كبيرة من البيانات، والعاقل هو من ينتقى الموضوعات التى يطلع عليها.
إن احترام الاختلاف من أدبيات العمل العام، سواء فى الأفكار أو فى شتى مناحى الحياة، فهو حق معترف به وفق الأعراف والقوانين. فالاختلاف الإيجابى فى الأفكار يكون ضمن محددات تشمل عدم الخروج عن الآداب العامة، واحترام الوحدة الوطنية، واحترام الوطن، وتحكيم العقل والدين؛ هو اختلاف صحى.
أحبتى وإخوتى وأصدقائى، لابد أن يكون راسخاً فى أذهاننا أن جوهر فلسفة احترام الاختلاف وجبر الخواطر ونشر المعرفة من أهم الوسائل الإيجابية عند الاختلاف. فالموضوعات المتنوعة أشبه بثمار الفاكهة تختلف فى المذاق والألوان لكن جميعها مفيدة وصحية.
فالمنصف والعاقل من بنى البشر يتعاطى مع الاختلاف فى إطار من المحبة والود، أما المتعصب سريع الغضب سيدافع عن مصالحه دون النظر لمصالح الآخرين. وسيبدأ فى الهجوم على المختلفين معه دون هدف غير أنه يمتلك الصوت العالى و"الشلة" المؤيدة له تحت مقولة: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، دون تكملة معنى الحديث الشريف والتكملة هي: "انصر أخاك مظلوماً وظالماً بأن تدله على طريق الحق".
إن الشخص الحكيم سوف يتناول موضوع الاختلاف فى إطار من الود والاحترام، ولن يخوض فى التفاصيل، ولن يفتح حواراً يدافع به عن مصالح فئة معينة، بل سيدافع عن قيم المجتمع وتماسكه؛ فالحكيم تجده واثقاً من نفسه، صاحب حضور طاغٍ، ويتمنى الخير للجميع. دمتم جميعاً حكماء بالصمت واحترام فلسفة الاختلاف.