الاستقرار هو الدور المنوط به الأنظمة الحاكمة في الداخل، بينما يقع على عاتق القوى الكبرى عندما نتحدث عنه عالميا، فهو بمثابة الثمن الذي ينبغي أن تدفعه حتى تحتفظ بمكانتها، وهو ما ينطبق على النموذج الأمريكي منذ بزوغه على قمة النظام العالمي في الأربعينات من القرن الماضي، حيث قدمت العديد من المزايا الامنية والاقتصادية للمعسكر الغربي، حتى تحظى بقيادته إبان الحرب الباردة، بينما كانت مخولة لتحقيقه عالميا، حتى لو نسبيا، عندما اعتلت بمفردها قمة النظام الدولي في التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مقابل تحقيق الاستقرار العالمي، وهو ما دفع إلى تداخلها كطرف رئيسي في كل الأزمات التي ضربت كافة بقاع الأرض، حتى وإن كانت الأولوية القصوى للحلفاء الغربيين، عبر النأي بهم جغرافيا عن الصراعات المباشرة.
الدور الأمريكي على النطاق العالمي، حقق قدرا من الاستقرار، إلا أنه كان مرهونا بمصالحها في إطار العديد من المراحل الدولية، فتحول الاستقرار تدريجيا من ثمن تدفعه مقابل قيادتها للعالم إلى أداة للابتزاز، وهو ما بدا في سياسة التضييق والحصار والعقوبات التي استهدفت الدول المارقة، ثم تطورت إلى التدخل العسكري المباشر، على غرار ما شهدته العراق وأفغانستان في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، ثم دخلت في مرحلة جديدة خلال العقد الماضي عبر تعزيز سياسات التآكل الذاتي عبر إشاعة الفوضى داخليا في الدول المناوئة لها، وهو ما تجلى في تقديم الدعم لأعمال من شأنها زعزعة الاستقرار، على غرار الاحتجاجات والمظاهرات، والتي كانت تهدف في ظاهرها إلى تغيير الأنظمة، تحت شعار محاربة السلطوية، بينما وضعت الكثير من البلدان على حافة الحروب الأهلية.
والحديث عن إشاعة الفوضى لا يقتصر في واقع الأمر على منطقتنا، في ضوء ما يسمى بـ"الربيع العربي"، وإنما امتد الى نماذج أخرى على غرار أوكرانيا، عندما اندلعت الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس الأسبق فيكتور يانكوفيتش باعتباره مواليا لموسكو، في 2014، ثم الدفع نحو مقترحات بانضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي والناتو، وهو ما اعتبرته روسيا خطا أحمر، حتى وصل الأمر إلى العملية العسكرية في 2022، وهو ما وضع أوروبا بأسرها تحت طائلة الفوضى، والخوف.
تلك الحالة الدولية أثمرت عن تحول جذري، في اطار إدارة القوى الكبرى لعلاقاتها الدولية، فيما يتعلق بمنح الاستقرار أو منعه، من القوى المناوئة لها، نحو الحلفاء، وهو ما يبدو واضحا في الموقف من أوروبا الغربية منذ اندلاع الأزمة في أوكرانيا في 2022، وهو ما يعكس تغييرا كبيرا في المفهوم نفسه، على مسارات زمنيّة متوازية، عبر التحول من ثمن تدفعه القوى الكبرى مقابل الهيمنة، إلى أداة لابتزاز الخصوم، ثم أخيرا إلى منتج للمقايضة عليه، سواء في مواجهة الحلفاء، وهو ما يبدو في الحديث الأمريكي عن المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل انهاء الحرب، ثم مقايضة أوروبا بالناتو مقابل جزيرة جرينلاند، ناهيك عن سياسات التعريفات الجمركية والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها ادارة الرئيس دونالد ترامب، والتي تهدف بالأساس إلى تسعير الدور الأمريكي في حل الأزمات العالمية، أو حتى الخصوم، عبر مهادنتهم، أو أحيانا الانحياز اللحظي لمواقفهم، مقابل تنازلات أو حتى تحقيق سوابق دولية من شأنها تعزيز المواقف الأمريكية في المستقبل.
والواقع أن الحالة العالمية، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن ثمة ارتباط واضح بين الاستقرار في صورته الجمعية، على النطاق الاقليمي، والدور المنوط به الانظمة الداخلية للدولة، والتي لم يعد يقتصر دورها على مجرد فرض الامن وتنظيم العلاقة بين المؤسسة والمواطن او تحسين الأوضاع الاقتصادية، وإنما امتدت إلى قدرتها على فرض السيادة، بحيث لا تكون مفهوم داخلي مرتبط بالسيطرة على رقعة جغرافية ومن يقطنون عليها، وإنما ممتدا إلى إدارة علاقات الدولة الخارجية وفرض مواقفها ليس بالقوة وإنما من منطلق القوة.
وبين استخدام القوة في فرض الرؤى الدولية، من جانب واعتبارها منطلقا لترويج مواقفها، من جانب آخر، هناك اختلاف جذري، فالأخيرة يمكنها ان تنتصر لمواقفها عبر تحقيق توافقات نابعة من الثقة الدولية في قدرتها على حماية الاستقرار في مناطقها الجغرافية، وهو ما يبدو في الموقف المصري من ازمة العدوان على غزة، والتحول الملموس في دورها من وسيط لفض اشتباك لحظي إلى راع إقليمي يسعى الى تحقيق استقرار مستدام، في الوقت الذي لا يمكن أن يؤدي فيه استخدام القوة بشكل مباشرة، إلى استقرار أو تنمية، بل أنه قد يفتح الباب أمام تآكل القوى الكبرى، جراء إفراطها في استخدام قوتها.
ولعل الحالة المصرية، كنموذج للاستقرار الذاتي، تمثل أهمية كبيرة عند الالتفات الى دور الدولة في الانتقال من دائرة الداخل، في اعقاب حقبة "الربيع العربي"، وما تبعها من فوضى عارمة كادت أن تأكل الأخضر واليابس، تمكنت من احتوائها، إلى دائرة إقليمية أوسع نطاقا، انطلقت من الجوار سواء في غزة او السودان او ليبيا، وحتى الدخول على خط الاشتباك الإيراني الامريكي، عبر وساطة من شأنها منع اندلاع حرب جديدة في إقليم محترق، حيث قدمت نفسها باعتبارها قوى إقليمية قادرة على بناء قوتها في الداخل أولا أو بالأحرى إعادة بناء سيادتها، وهو ما يلزم إدراكه في اللحظة الدولية الراهنة، حيث يمكن بناء السيادة، لتكون منطلقا نحو استقرار اقليمي أوسع.
وهنا يمكننا القول بأن الاستقرار يمكن ان يتحول من سلعة تباع سواء لقيادة دولية مقابل هيمنتها او منتج للمقايضة إلى عملية بناء ذاتي، عبر السيادة، يمكن من خلاله التفاوض ليس بالقوة وانما من منطلق القوة الرشيدة القادرة على الفوز بالثقة الدولية وتحقيق توافقات من شأنها الحفاظ على الحقوق ودحض التهديدات، وهو ما يتطلب عملا فرديا للقوى الاقليمية الفاعلة وجماعيا عبر الإقليم بأسره، مما يعزز شرعية الاستقرار الاقليمي في كل منطقة.