- إحصائيات مرعبة: دردشة عابرة من «100 كلمة» تستهلك نصف لتر.. مركز بيانات ضخم واحد يشرب 19 مليون لتر من المياه يوميا
- استهلاك الكهرباء يوازى استهلاك دولة بحجم اليابان سنويا.. وتتساوى مع انبعاثات نيويورك من ثانى أكسيد الكربون
- شركات التكنولوجيا تضخ استثمارات مليارية للشرق الأوسط وأفريقيا بعد رفض شعوب الغرب دفع فاتورة روبوتاتها
- 13 دولة عربية تقع تحت خط «الإجهاد المائى الشديد».. الحديث عن توطين مراكز البيانات بها تهديد وجودى للطاقة والمياه
- منظمات المناخ تتهم شركات التكنولوجيا: استعمار جديد لشعوب الجنوب
- استهلاك مراكز البيانات للمياه يزداد فى المناخات الأكثر حرارة مثل الشرق الأوسط.. وكل قطرة يستهلكها الـAI مخصومة من حصة المواطن
- أدوات الذكاء الاصطناعى ستحتاج 6.6 مليار متر مكعب من المياه العذبة فى 2027
- خبراء يطالبون بوضع كود عربى موحد لمراكز البيانات الخضراء.. وتبني مبادرات تفرض على الشركات ترشيد استخدام الطاقة
قبل أشهر قليلة، وقف ابنى ذو الثمانية أعوام حائرا أمام واجب مدرسى يطلب منه الكتابة عن: «كيف نحمى كوكبنا من الجفاف؟»، ببراءة هذا الجيل الذى ولد وفى يده هاتف ذكى، قرر الاستعانة بإحدى أدوات الذكاء الاصطناعى ليرشده إلى الإجابة النموذجية، وفى ثوانٍ معدودة، قدم له المارد الرقمى إجابات منمقة مبهرة، تٌشعرك وأنت تقرأها بأن هذا المارد هو بوابتنا الوحيدة نحو مستقبل أخضر.
ولكن ما لم يفصح عنه الروبوت- وما لم يدركه طفلى الصغير بطبيعة الحال- أنه لكى يصيغ له هذه النصيحة حول كيفية ترشيد المياه، كان قد تجرع لتوه زجاجة مياه عذبة كاملة لكى يبرد عقله الإلكترونى، الذى اشتعل حرارة أثناء التفكير.. إنها مفارقة العصر، فنحن «نحرق الموارد لنحصل على إجابة حول كيفية توفيرها، فى عالم يعانى أساسا من أزمة عطش».
قد تبدو عبارة «تجرع زجاجة مياه» مجازا أدبيا، لكنها للأسف حقيقة علمية صارخة، ففى لغة الأرقام التى تترجم فضولنا الرقمى إلى تكلفة بيئية، كشفت دراسة حديثة لجامعة كاليفورنيا «ريفرسايد»، قادها البروفيسور شاولى رين Shaolei Ren، أن دردشة عابرة مع «GPT-3» تتراوح بين 20 إلى 50 سؤالا تلتهم حوالى 500 ملليلتر من المياه العذبة، هذا يعنى أن كل 100 كلمة فقط يكتبها الروبوت لك تكلف البيئة نصف لتر من المياه. قد تبدو الكمية ضئيلة فى عين الفرد، لكن أمام مليارات الأسئلة اليومية- فى ظل توافر تلك الروبوت فى يد كل مواطن وسهولة الوصول لها- نكتشف أننا أمام «نهر من المياه العذبة» يتدفق فى الاتجاه الخاطئ.

تكلفة الفضول الرقمى
عندما تتحول الأرقام من المليلترات إلى الملايين، ووفقا لتقرير معهد دراسات البيئة والطاقة EESI، يستهلك مركز بيانات ضخم واحد ما يصل إلى 5 ملايين جالون- ما يوازى 19 مليون لتر- من المياه يوميا، وهو رقم يعادل استهلاك بلدة كاملة يقطنها 50 ألف نسمة، وعن مرحلة التأسيس وحدها، كشفت مدونة الحكومة البريطانية لتكنولوجيا المعلومات UK Gov Blog، فى سبتمبر الماضى، أن تدريب نموذج GPT-3 فقط ليخرج إلى النور استهلك 700 ألف لتر من المياه النقية، قبل حتى أن يبدأ فى الرد على سؤال واحد.
ووفقا لتلك الأرقام، تحمل التوقعات المستقبلية نذير خطر حقيقى، وتقول مدونة الحكومة البريطانية: إن الطلب العالمى للمياه من قطاع الذكاء الاصطناعى سيقفز بحلول عام 2027 ليتراوح بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب، وهو رقم ضخم يكفى لرى آلاف الأفدنة أو سد رمق قرى كاملة تعانى من الجفاف.
كيف «يشرب» الذكاء الاصطناعى مياهنا؟
تخيّل أن جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بك يسخن عندما تشاهد فيلما، فتبدأ مروحته الداخلية بالدوران السريع لإخراج الحرارة. الآن، ضاعف هذا المشهد ملايين المرات، فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعى ما هى إلا عبارة عن «مستودعات عملاقة» تضم آلاف الخوادم- الكمبيوترات الفائقة- التى تعمل ليل نهار دون توقف، فتولد حرارة هائلة لدرجة أنها قد «تذوب» حرفيا إذا لم يتم تبريدها باستمرار.
ولأن الهواء وحده لا يكفى لتبريد هذه «الأفران الرقمية»، تلجأ الشركات إلى «التبريد المائى»، حيث تمرر مياها باردة فى أنابيب تحيط بالأجهزة لتمتص حرارتها ثم تتبخر فى الهواء، هذا «التبخر» هو الثمن الذى ندفعه، فكل استعلام ترسله للذكاء الاصطناعى يخرج كمية من المياه النقية من النظام البيئى للأبد، تاركة وراءها مخزوننا المائى أكثر شٌحا، وكلما زادت عبقرية الآلة زاد عطشها.
حين تأكل الكهرباء قطرات الماء
لكن القصة لا تنتهى عند جدران مركز البيانات، فهناك عطش خفى أشد فتكا يحدث بعيدا عن أعيننا، فلكى تظل هذه الخوادم العملاقة تعمل، فهى تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء لا تتوقف لثانية واحدة، هذه الكهرباء لا تأتى من الفراغ، بل يتم توليدها فى محطات ضخمة هى فى الحقيقة «وحوش مائية» بحد ذاتها، فلكى تُنتج الكهرباء، تقوم هذه المحطات باستهلاك كميات هائلة من مياه الأنهار، لذلك نحن أمام عملية استنزاف مزدوج، الأولى لتبريد الأجهزة داخل المركز، والثانية غير مباشرة فى محطة الكهرباء.
تكتسب هذه الأرقام دلالتها المرعبة عند وضعها فى سياقها الإنسانى والبيئى، فبينما تغطى المياه 70% من كوكبنا، فإن المياه العذبة المتاحة للاستهلاك لا تتجاوز 0.5% فقط من هذا الرقم، وفقا للأمم المتحدة، وفى ظل وجود 1.1 مليار شخص يفتقرون للمياه، ووفاة مليونى شخص سنويا بأمراض مرتبطة بها، تختار شركات التكنولوجيا مواقعها فى مناطق الخطر، إذ يكشف تقرير مدونة الحكومة البريطانية أن 55% من مراكز البيانات العالمية تقع فى أحواض أنهار ذات مخاطر عالية، بينما تسحب 20% من مراكز البيانات الأمريكية مياهها من مناطق تعانى بالفعل من إجهاد مائى، مما يضع التكنولوجيا فى منافسة مباشرة مع حق البشر فى الحياة.

استهلاك المياه يرتفع لمستويات قياسية
تؤكد الأمم المتحدة أنه عالميا استهلاك المياه تضاعف 6 مرات فى القرن الماضى، وما زال ينمو بنسبة 1% سنويا وهى نسبة ضخمة، فى حين عربيا نحن نستهلك أكثر مما يتجدد، وتقول بيانات الأمم المتحدة «UN Water»: «إن الطلب العالمى على المياه من المتوقع أن يزيد بنسبة 20-30% بحلول 2050، ويعود جزء كبير من هذه الزيادة للقطاع الصناعى وتوليد الطاقة»، فبينما تحاول الدول ترشيد المياه، يأتى قطاع التكنولوجيا ليزيد الطلب عليها فجأة.
رصد تقرير الأمم المتحدة للمياه العالمى «جفاف القارات.. تهديد لمستقبلنا المشترك»، تراجع المياه العذبة عالميا، حيث يفقد العالم 324 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يكفى لتلبية الاحتياجات السنوية لـ280 مليون شخص، كما انخفضت احتياطيات المياه العذبة العالمية- وفقا للتقرير- بمتوسط 3% من إجمالى الإمدادات سنويا، ووصلت النسبة إلى 10% فى المناطق الجافة بالفعل.
العالم العربى وسط الأفقر مائيا
وسط هذا المشهد العالمى القاتم، لا تقف منطقتنا العربية كمتفرج بل كضحية أولى، فنحن- وفقا لتصنيف الأمم المتحدة- أفقر مناطق العالم مائيا، وهنا، يتحول الحديث عن توطين مراكز البيانات- بدون ضوابط محددة- من «إنجاز تقنى» إلى تهديد وجودى، فبينما تشد شركات التكنولوجيا رحالها نحو الجنوب العالمى هربا من رقابة الشعوب الغربية على مواردها، نجد أنفسنا اليوم فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- بعد أن أصبحنا ساحة لاستثمارات تكنولوجية مليارية- فى مواجهة مباشرة مع «الروبوتات العطشى».
وفى السياق المحلى، تشير خرائط «معهد الموارد العالمية» «WRI» إلى أن 13 دولة عربية تقع بالفعل تحت خط «الإجهاد المائى الشديد»، كما يحذر تقرير البنك الدولى فى 2024 من انخفاض حصة الفرد فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لما دون 500 متر مكعب سنويا بحلول عام 2030، مما يعنى أن كل قطرة تستهلكها هذه الخوادم هى قطرة مخصومة مباشرة من حصة المواطن العربى فى مياه الشرب.
توطين الذكاء الاصطناعى تهديد للمواطن العربى
هذا ما يؤكده خالد أبو زيد المدير الإقليمي للبرامج الفنية بالمجلس العربي للمياه، الذى يصف الأمر لـ«اليوم السابع» بـ«التهديد النوعى الجديد»، ففى حين نلوم الزراعة، نغفل أن الروبوتات تنافسنا على أغلى قطرة ماء لدينا، مياه الشرب النقية، حيث أشار الخبير الدولى إلى أنه رغم استحواذ الزراعة على نصيب الأسد «80-90%» من الموارد المائية فى منطقتنا العربية- التى تصنف كأحد أفقر المناطق مائيا- فإنه يصف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى بأنها «تهديد نوعى جديد».
يفند «أبوزيد» هذا التهديد فى ثلاثة أسباب جوهرية، الأول: «المنافسة على المياه العذبة المنقاة»، حيث تتطلب أنظمة التبريد التقليدية مياها نقية جدا لحماية السيرفرات، وهى نفس نوعية المياه المخصصة للشرب التى يتم الإنفاق كثيرا عليها لتنقيتها وتوصيلها للمناطق الحضرية.
الثانى- وفقا لأبوزيد- هو «التركيز الجغرافى»، حيث يتركز الاستهلاك الضخم فى نقطة واحدة «مركز البيانات»، مما يضغط على الشبكة المحلية بشكل قد يفوق طاقة الأحياء المجاورة، أما السبب الثالث والأخطر: «فواقد البخر»، فعلى عكس الاستهلاك المنزلى الذى يعود حوالى 80% منه للصرف الصحى، فإن تبريد السيرفرات يعتمد على تبخير الماء، مما يعنى خروجه نهائيا من الدورة المائية المحلية.
19 دولة عربية فى دائرة الخطر
ينقلنا المدير الإقليمي للبرامج الفنية بالمجلس العربي للمياه، مشيرا إلى واقع مائى حرج، فهناك حوالى 19 دولة عربية من أصل 22 تقع تحت حد الفقر المائى «1000 متر مكعب للفرد سنويا»، ومنها حوالى 13 دولة تحت حد الفقر المائى الحاد «500 متر مكعب».
يحذر «أبوزيد» من أن هذه المؤشرات وُضعت أساسا بناءً على الاحتياجات التقليدية «منزلية، زراعية، صناعية»، ولم يكن فى الحسبان الاحتياجات المائية لتبريد مراكز الذكاء الاصطناعى التى تتزايد يوما بعد يوم فى المنطقة العربية، وبالتالى، فإن إضافة هذه المراكز الشرهة للمياه النقية يزيد من إشكالية الفقر المائى، ويضع عبئا جديدا على المياه العذبة المتجددة والجوفية غير المتجددة، فضلا عن زيادة الضغط على محطات التحلية فى الدول التى تعتمد عليها، وهى عملية تستهلك طاقة هائلة أيضا.
شعوب الغرب ترفض دفع فاتورة الذكاء الاصطناعى
بينما يستيقظ الوعى البيئى فى دول الشمال العالمى، يبدو أن شركات التكنولوجيا الكبرى بدأت فى إعادة توجيه بوصلتها نحو دول الجنوب العالمى لتصدير أزماتها البيئية، ففى الولايات المتحدة، نجحت الاحتجاجات الشعبية والتحالفات التى تضم أكثر من 230 منظمة بيئية فى تعطيل 16 مشروعا لمراكز بيانات بقيمة 64 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، مدفوعة بمخاوف حقيقية من أن يؤدى «جنون الذكاء الاصطناعى» إلى رفع فواتير الكهرباء والمياه على ملايين الأمريكيين.
ولكن، هذا «الانتصار البيئى» فى فرجينيا وجورجيا له وجه آخر مظلم، إذ يدفع الشركات للهروب باستثماراتها المليارية نحو مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا والهند، حيث البيئة التشريعية أكثر تسامحا والحاجة للاستثمار الأجنبى تفوق المخاوف من «جفاف الصنبور»، فنحن أمام نمط جديد من «تصدير العطش»، فبينما يرفض المواطن فى الشمال أن يساهم الذكاء الاصطناعى فى نفاد موارده، يتم استغلال حاجة دول الجنوب «للسيادة الرقمية» لبناء هذه المنشآت فوق خزانات مياهها الجوفية المنهكة، وبهذا، يتحول الذكاء الاصطناعى من أداة للابتكار إلى أداة لترسيخ «اللا مساواة البيئية»، فتنعم دول الشمال بخدمات الخوارزميات الذكية، بينما تتحمل دول الجنوب فاتورة تبريدها من أمنها المائى ومستقبل أجيالها.
مخاطر الذكاء الاصطناعى تتضاعف فى المناخات الحارة
ولكى نفهم كيف ينعكس التوسع فى إنشاء مراكز البيانات بالدول العربية وأفريقيا على المواطن، تواصلت «اليوم السابع» مع أصحاب دراسة «عطش البيانات» وعالم البيانات فى معهد الدراسات البيئية بأمستردام، أليكس دى فريس، والبروفيسور فى جامعة كاليفورنيا شاولى رين، حيث أكدا فى تصريحات خاصة أن قدوم تلك المراكز للشرق الأوسط لن يكون بالأمر اليسير، وأشار «رين» إلى أن تقديراته السابقة باستهلاك 500 مل مياه عذبة لكل محادثة قصيرة كانت تخص نموذجا محددا «GPT-3-175B» ولإنتاج عدد معين من الردود، لكنه يؤكد حقيقة فيزيائية لا مفر منها: «بشكل عام.. يستهلك نظام التبريد نفسه كمية أكبر من المياه فى المناخات الأكثر حرارة، وهو ما ينطبق تماما على أجواء الخليج وشمال أفريقيا».
يفجر «رين» مفاجأة غير سارة للدول النامية، مؤكدا أنه عادة ما يكون استهلاك مراكز البيانات من المياه الصالحة للشرب، ومعظم مراكز البيانات فى الولايات المتحدة تستخدم مياه الشرب من الشبكة العامة، وبالتالى هى تٌزاحم المواطن، بينما قلة فقط تستخدم المياه المستصلحة، محذرا من أن مراكز البيانات تستهلك كميات أكبر بكثير فى الصيف مقارنة بالشتاء، وفى مواقع معينة وأشهر محددة، وهذا قد يشكل ضغطا حقيقيا على إمدادات المياه المحلية، منافسة بذلك السكان فى ذروة عطشهم.

أليكس دي فريس خبير بيانات بمعهد أمستردام
الخيار بين تشغيل مراكز البيانات أو فتح المدارس
فى حين انتقل بنا أليكس دى فريس إلى مشهد قاتم فى مواجهة الادعاءات البراقة لشركات التكنولوجيا، التى تروج لـكفاءة نماذجها الجديدة، فعندما سألناه عن الخطر الذى يهدد الشبكات الهشة فى دولنا النامية من المياه والكهرباء، لم يستخدم «دى فريس» لغة الاحتمالات، بل لغة الوقائع الصادمة، يقول: «لدينا سعة طاقة محدودة، ولا يمكننا إنفاق الواط الواحد إلا مرة واحدة، إذا امتلأت الشبكات وسمحنا لمراكز البيانات بالاستحواذ، فلن يتبقى شىء للآخرين».
كما أوضح أنه لا يكتفى بالتحذير النظرى، بل يستدعى مشهدا مأساويا من قلب أوروبا المتقدمة، ليكون عبرة لدول الجنوب، قائلا: «فى بلدى الأم هولندا، أصبح الأمر ملموسا للغاية، حيث تم اتخاذ قرار بتوفير الطاقة لمركز بيانات بدلا من مدرسة، التى توقفت عن العمل لأن الشبكة كانت مزدحمة. هذا ليس خطرا مستقبليا، بل يحدث بالفعل الآن»، وإذا كانت المدارس تُطفأ أنوارها فى هولندا لصالح الخوادم، فماذا سيكون مصير المستشفيات والبيوت فى شبكاتنا العربية المنهكة؟
أظهر البحث الذى أجراه «أليكس دى فريس- جاو» ونٌشر فى منتصف ديسمبر الماضى، أنه بنهاية العام 2025 بلغت انبعاثات الكربون الناتجة من أنظمة الذكاء الاصطناعى انبعاثات مدينة نيويورك، واستهلاك المياه يعادل إجمالى المياه المعبأة التى يتم شربها فى العالم أجمع خلال عام واحد، ونظرا لأن شركات التكنولوجيا تحجب بيانات بالغة الأهمية، فإنه يتوقع أن يكون التأثير البيئى الحقيقى للذكاء الاصطناعى يظل بعيدا عن الأنظار إلى حد كبير.
أكد «فريس»: بناء على الحسابات التى توصلت لها الدراسة، استخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعى وحدها ما بين 312.5 و764.6 مليار لتر من المياه، وتظهر الحسابات أن أنظمة الذكاء الاصطناعى قد تكون مسؤولة عن 32.6 إلى 79.7 مليون طن من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون سنويا. وللمقارنة، بلغت انبعاثات مدينة نيويورك فى عام 2023 حوالى 52.2 مليون طن، ويقول «دى فريس-جاو»: «يمكن أن ينتهى الأمر بالذكاء الاصطناعى ببصمة مناخية تضاهى بصمة مدينة عالمية كبرى أو قطاعات أخرى كثيفة الاستهلاك للطاقة».
نحتاج كهرباء بحجم اليابان
ولنسف السردية القائلة إن الذكاء الاصطناعى هو «المنقذ» لشبكات الطاقة، يستند «دى فريس» إلى تقرير وكالة الطاقة الدولية «IEA»، الذى خلص إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعى الإيجابى على خفض الانبعاثات لا يزال هامشيا تماما اليوم، وأن المستقبل فى هذا الصدد غير مؤكد للغاية.
يذهب «أليكس» لأبعد من ذلك، فبدلا من أن تؤدى زيادة كفاءة النماذج إلى توفير الطاقة، استُخدمت هذه المكاسب لجعل النماذج «أكبر وأضخم»، مما أدى لزيادة متطلبات الحوسبة، ويختتم «دى فريس» حديثه لـ«اليوم السابع» بتشخيص دقيق للحالة: «النماذج الأفضل أدت لتبنى واسع للتكنولوجيا، والنتيجة أن الذكاء الاصطناعى أصبح الآن مسؤولا عن طلب قياسى مرتفع على الطاقة، فنحن ندور فى حلقة مفرغة من الكفاءة التى تأكل نفسها».
وهنا عطفا على تصريحات «أليكس» لـ«اليوم السابع»، وإشارته إلى خطورة ملف الطاقة، بحثنا عن تقرير وكالة الطاقة الدولية «IEA» للعام 2025، وقمنا بتحليل دقيق لبياناته، فوجدنا أننا ننتقل من الحديث عن عطش السيرفرات المباشر إلى جريمة بيئية أوسع نطاقا وأشد فتكا، فالبيانات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية لا تتحدث عن زيادة عادية، بل تعلن رسميا افتتاح عصر جديد للكهرباء، عصر يزحف فيه الاستهلاك العالمى نحو ذروة غير مسبوقة.
تٌظهر الأرقام أن الطلب العالمى على الكهرباء قفز فى عام 2024 بنسبة مرعبة وصلت إلى 4.3%، مقارنة بـ2.5% فقط فى العام السابق، هذا التسارع الحاد ليس صدفة، بل هو الانعكاس المباشر لانفجار الذكاء الاصطناعى، وبحلول عام 2027، يتوقع التقرير أن يرتفع الاستهلاك العالمى بمقدار غير مسبوق يبلغ 3.500 تيراواط/ الساعة، ولتقريب هذه الصورة الصادمة للأذهان، هذا يعنى أن العالم يحتاج لأن يبنى محطات توليد تعادل استهلاك دولة بحجم اليابان بالكامل كل سنة، فقط لملاحقة نهم مراكز البيانات وأجهزة التكييف التى تبردها.

فخ الاقتصادات الناشئة.. 85% من الفاتورة
هنا تبرز ملامح الظلم الرقمى فى أقسى صوره، فالتقرير يؤكد أن 85% من هذا الطلب الإضافى على الكهرباء حتى عام 2027 سيأتى من الاقتصادات الناشئة، ونحن فى قلبها، فنحن إذن أمام معادلة صفرية بامتياز، فبينما تتسابق دولنا العربية والأفريقية لجذب عمالقة التكنولوجيا وتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل خوادمهم، نجد أنفسنا نضحى بأمننا الطاقى والمائى معا.
ولكن، لماذا يهمنا نمو الكهرباء فى تحقيق يتحدث عن المياه؟ الإجابة تكمن فى «الرابط المفقود»، ففى منطقتنا العربية، إنتاج الكهرباء هو عملية شرهة للمياه بامتياز، بالتالى، كل تيراواط إضافى تلتهمه مراكز البيانات، هو فى الحقيقة قطرة ماء مفقودة، إما تبخرت لتبريد المحطة، أو استُنزفت لتحلية مياه البحر.
إن هذا «الغول الرقمى» الذى يتوقع أن يصل استهلاكه العالمى إلى 32.542 تيراواط/ ساعة بحلول 2027، يضعنا أمام الحقيقة المرة «نحن لا نستورد تكنولوجيا متطورة فحسب، بل نستورد أزمة طاقة ستؤدى بالضرورة إلى جفاف ما تبقى من آبارنا، وكما يرى الخبراء، فإن استمرار هذا الصعود الصاروخى يعنى أننا بصدد إطعام الآلة من لحم شبكاتنا المنهكة، بينما يرتفع مؤشر الكهرباء، ينخفض فى المقابل مستوى الأنهار ومخزون المياه الجوفية التى تعتمد عليها الأجيال القادمة».
من كواليس «وادى السيليكون».. خبير يكشف الحقائق
وسط عاصفة من التساؤلات حول «وحوش البيانات» التى تزحف نحو منطقتنا، وهل تستحق التكنولوجيا تكلفتها البيئية؟ وما الخيارات أمام دول المنطقة العربية هل تدخل عصر الذكاء الاصطناعى؟ هل تواجه التحديات الناجمة عنه أم تحجم وتعانى عقودا جديدة من التأخر؟ وهنا كان لا بد من مواجهة من يجلسون داخل «غرفة العمليات»، وفى حديث استثنائى لـ«اليوم السابع» أزاح المهندس أحمد بهاء الدين، الموجه الإقليمى لشركة مايكروسوفت، الستار عن المشهد الخلفى لهذه الصناعة.
لم يكن لقائى بالمسؤول فى إحدى كبرى شركات التكنولوجيا مجرد حوار صحفى عابر، بل كان «مبارزة» فكرية بين تساؤلات قلقة عن بقاء مواردنا، وبين منطق شركات التكنولوجيا التى تحاول ترويض الطبيعة بالخوارزميات. بدأ الرجل حديثه بحذرٍ، مؤكدا أن كلماته هنا تعبر عن رؤيته كخبير تقنى ولكنها ليست صوت مايكروسوفت الرسمى، هكذا وضع سياجا قبل أن نبدأ، مؤكدا أن رأى المؤسسة يخرج فقط من القنوات الرسمية، وكأنه يدرك أن ملف «عطش البيانات» هو منطقة ملغومة بالتأويلات.
عندما سألته عن سر هذا التسارع نحو منطقتنا، رسم لى خريطة الزحف الرقمى بدقة جراح، موضحا أن الترتيب بدأ بأفريقيا أولا ثم الخليج، قائلا: «الأمر ليس عشوائيا، هناك معايير صارمة، معيار الطلب، وتوافر البنية التحتية، والخبرات، والقرب من المستخدمين»، ثم انتقل للخليج، موضحا أن الإمارات والسعودية مثل مصر، تمنعان تداول بياناتهما الحكومية خارج النطاق الجغرافى، فكان على الشركات أن «تحزم حقائبها» وتغرس مراكز بياناتها فى قلب دبى وأبوظبى والبحرين لتلبية هذا الشرط السيادى.
حين تشرب السيرفرات «مياه الشرب»
هنا احتدم النقاش بعض الشىء، عند مواجهته بدراسات «أليكس دى فريس» والبروفيسور «رين» حول استنزاف مياه التبريد. لم ينكر الخبير الدولى الحقيقة، بل اعترف بوضوح: «صحيح.. وهذا يحدث حتى فى بعض مراكز بيانات مايكروسوفت فى الولايات المتحدة»، ولكنه دافع عن «تاريخ الاستدامة» فى مايكروسوفت، مؤكدا أن شركته تضع حوافز لفرقها التى تُحسن «البصمة الكربونية»، وتقلل استهلاك الكهرباء، لافتا إلى أنه لا يمكن أن نضع جميع شركات التكنولوجيا فى سلة واحدة، فهناك شركات مثل ميكروسوفت تلتزم بالجانب البيئى بصرامة، وهناك شركات أخرى تتجاهله.

شاولي رين بروفيسور بجامعة كاليفورنيا
لعبة المقارنة.. «الأسمنت» مقابل «البيانات»
حاول المسؤول الإقليمى فى لحظة «احتدام» أن يضع الذكاء الاصطناعى فى مقارنة مع الصناعات التقليدية، متسائلا بلهجة استنكارية: لماذا لم نتحدث عن استهلاك مصانع الأسمنت أو البتروكيماويات للكهرباء والماء؟ ما هى كل المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة زى الحديد والصلب، زى الأسمنت والأسمدة بتشرب، وبتشرب أكتر بكتير من مراكز البيانات، فشيطنة التكنولوجيا وحدها التى وصفها بأنها «صناعة صديقة للبيئة»، وتجاهل مصانع البتروكيماويات التى تلوث بصمت، هو نوع من الانتقائية غير العادلة.
لكننى واجهته بالواقع قائلا: نحن نتحدث عن أداة باتت فى يد الأطفال والطلبة، استهلاك مشاع ومستمر لا يقارن بعدد محدد من المصانع يتم بناؤها فى مناطق محددة؟! لم يتراجع، بل استند إلى «آدم سميث» وكتابه «ثروة الأمم»، ليذكرنى بمبدأ اقتصادى قاس وهو «أن الموارد تتصف بالندرة النسبية، والبيانات تحتاج طاقة، والطاقة لا تُفنى ولا تُستحدث من العدم»، وبالتالى ليس أمامنا خيارات إلا التطور واللحاق بالركب، وسنتحمل الفاتورة الصعبة، لكنه فتح نافذة على «المستقبل البعيد»، وتحدث بحماس عن «الحوسبة الكمية»، وهو مشروع تعمل عليه مايكروسوفت وصفه بأنه من الأعظم عالميا، قائلا: «الحوسبة الكمية سوف تنجز فى ثوانٍ ما ينتجة حاسب اليوم فى 10 آلاف سنة»، هكذا وعد، مؤكدا أن هذا سيؤدى قطعا لتوفير الكهرباء والموارد، لكنه اعترف بالواقع المأزوم: «إلى حين أن يصبح ذلك واقعا، سيبقى هناك استهلاك، بعضه طاقة خضراء، وبعضه رمادية، وبعضه أحفورية»، وأشاد برؤية القيادة المصرية فى الطاقة الخضراء، مقارنا إياها بدول أخرى تملك وفرة فى الوقود الأحفورى ولا تتحرك بنفس القوة.
وفى لحظة مكاشفة، لمس الخبير الجرح الغائر فى علاقة الشمال بالجنوب، موضحا أنه على مر التاريخ، دول الشمال تجرى إلى التطور ودول الجنوب تدفع الثمن، وقال: «يجب مطالبة دول الشمال بترشيد استهلاك البصمة أو إنتاج البصمة الكربونية فى صناعاتهم المتطورة التى تجلب الخراب على دول الجنوب، هى دائما وأبدا من يستهلك البصمات الكربونية، وستبقى دول الشمال أكثر المستهلكين ومن يدفع فاتورتها فى الجنوب».
وهم «السحابة الخضراء».. استعمار جديد برداء رقمى
بينما كان خبير مايكروسوفت ينسج لنا وعودا حول «الحوسبة الكمية»، كان هناك صوت آخر يقرع أجراس الخطر من قلب الواقع المأزوم، ففى رد مفصل وحاد، قررت منظمة «جرينبيس»، «السلام الأخضر»، فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- وهى منظمة دولية تعنى بقضايا المناخ- تفكيك هذه السردية الحالمة، واصفة إياها بتهديد حقيقى قد يطيح بكل مكاسب الطاقة المتجددة التى حققتها دولنا بشق الأنفس، بل وصفت نضال «الشمال» للتطور، وتصدير «العطش» للجنوب بالوجه الاستعمارى الجديد.
ترى حنين كيسكس، قائدة الحملات فى المنظمة، فى حوار لـ«اليوم السابع»: إننا أمام فخ بيئى محكم، فبينما نتسابق لجذب استثمارات التكنولوجيا، نغفل عن حقيقة أن نهم الذكاء الاصطناعى ينمو بسرعة تفوق قدرتنا على بناء الشبكات الخضراء، وهنا يحدث الاشتباك الجوهرى مع منطق الشركات، فبينما يتباهى الخبراء بالاستدامة، تؤكد «جرينبيس» أن شركات المرافق تضطر لإبقاء محطات الغاز والفحم قيد التشغيل لضمان الموثوقية على مدار الساعة التى تتطلبها مراكز البيانات، مما يفرض استمرار حرق الوقود الأحفورى لضمان دوران العجلات الرقمية.

حنين كيسكس مدير العمليات للشرق الأوسط بمنظمة جرينبيس
أرقام الصدام.. 4.5 ضعف من الانبعاثات
وعلى عكس النبرة المتفائلة التى سمعناها من «وادى السيليكون»، تحذر المنظمة من أنه رغم الخطوات الواسعة لدول مثل السعودية والإمارات فى الطاقة الشمسية، فإن الحجم الهائل للطاقة «دائمة التشغيل» التى يطلبها المشغلون العمالقة يتجاوز القدرة المتجددة الحالية، والنتيجة زيادة مرعبة فى الانبعاثات الكربونية قد تصل إلى 4.5 ضعف، إذا لم يتم الفصل الصارم بين طموح الذكاء الاصطناعى وواقع الوقود الأحفورى.
وعندما ننتقل إلى ملف المياه، تزداد حدة المواجهة، حيث تقول بوضوح: «ما يهم ليس المتوسطات العالمية الوردية التى تعلنها الشركات، بل كمية المياه التى يتم استخراجها فعليا من أرضنا، ومن أى طبقات جوفية، وما هى العواقب الحقيقية على المجتمعات المحيطة؟»، وتستند المنظمة إلى تقرير جرينبيس ألمانيا الذى يتوقع تضاعف استهلاك مياه التبريد أربع مرات ليصل إلى 664 مليار لتر بحلول 2030، فى منطقة تشير التقديرات إلى أن 100% من سكانها سيعيشون تحت إجهاد مائى مرتفع للغاية بحلول 2050، وهنا يتجاوز الطرح البعد البيئى ليصطدم بالبعد الأخلاقى والسياسى، حيث تشبه المنظمة ما يحدث بنمط «استعمارى جديد».
تقول المسؤولة بمرارة: «هذا النموذج يعيد إنتاج ديناميكيات استخراجية وثقناها سابقا فى مشاريع الهيدروجين الأخضر، حيث تُستنزف مساحات هائلة من الأرض والمياه لخدمة أسواق التصدير وتراكم العوائد فى الشمال العالمى، بينما تتركز الضغوط البيئية والعطش فى أقاليمنا». إنها مواجهة صريحة مع منطق «الحتمية التكنولوجية»، فالقرارات المتعلقة بتخصيص المياه ليست أسئلة تقنية حول كفاءة السيرفرات كما يروج الخبراء، بل هى اختيارات سياسية وجودية تضيق المساحة لإنتاج الغذاء المحلى وسبل عيش المزارعين، وتضع حق الروبوت فى التبريد فوق حق الإنسان فى البقاء.
الحكومات العربية أمام قرارات أحلاها مر
وبين مطرقة «الاستعمار الرقمى» التى دقت أجراسها «جرينبيس»، وسندان «الوعود الكمية» التى ساقها خبير مايكروسوفت، نجد أنفسنا-نحن سكان الجنوب- فى قلب العاصفة، لقد بات من الجلى أننا أمام «معضلة وجودية» لا تملك ترف الرفض، فالانسحاب من ركب الذكاء الاصطناعى اليوم يعنى حكما بالإعدام التقنى، والبقاء فى ذيل القائمة لعقود مقبلة، بينما المضى قدما يعنى القبول بفاتورة بيئية حتمية تُدفع من «أمننا المائى» المنهك أصلا.
هنا، يقف صانع القرار العربى أمام مفترق طرق وقرارات «أحلاها مر»، فإما أن يفتح الأبواب على مصراعيها لاستثمارات تقنية تبتلع مياهه وكهرباءه مقابل «سيادة رقمية» هشة، أو أن يضع ضوابط قد يراها البعض معطلة للاستثمار فى سباق محموم لا ينتظر المتأخرين. إنها اللحظة التى تتطلب رؤية تتحرر من دور «الضحية» التى تتحمل أعباء «رفاهية الشمال»، لتبحث عن حلول تضمن لنا مكاناً فى المستقبل دون أن تجفف آبار الحاضر.
ولأن «الخضوع لركب التطور» بات قدرا لا مفر منه، كان لزاما علينا أن نبحث عن «المخارج الآمنة»، تلك التى تضمن تحرير دول الجنوب من دفع ضريبة العطش نيابة عن العالم، وهى الحلول التى وضعناها على طاولة خبراء التحقيق، لنرسم ملامح «دستور مائى- رقمى» يحفظ لنا حقنا فى الحياة.. وفى التكنولوجيا معا.
غياب الشفافية.. عقبة أمام الاستدامة
بصفته عالم بيانات، حمل «دى فريس-جاو» شركات التكنولوجيا المسؤولية، متهمها بأنها لا تفصح عادة عن أداء مراكز بياناتها، وعلى وجه الخصوص، لا يُعرف سوى القليل جدا عن المياه المطلوبة لتوليد الكهرباء التى تستخدمها تلك المراكز، مطالبا الحكومات بالضغط على الشركات بصرامة أكثر، لقدم تقارير تتسم بالشفافية الكاملة على مستوى مراكز البيانات، فيما يخص استخدام الطاقة، وانبعاثات الكربون، واستهلاك المياه، مع تمييز واضح بين الذكاء الاصطناعى والتطبيقات الأخرى، ويختتم قائلا: «إذا أردنا أن يساهم الذكاء الاصطناعى حقا فى مستقبل مستدام، فنحن بحاجة أولا إلى صورة واضحة عن تكلفته البيئية على المجتمع، وهذا يبدأ بالشفافية».
أما من منطق الخبير الدولى فى مجال الموارد المائية، يطرح دكتور خالد أبوزيد حلا مشروطا للخروج من هذا المأزق، الأول يقع ضمن نطاق مسؤولية شركات التكنولوجيا، مؤكدا أنه لا بد أولا من تطوير أنظمة التبريد لتستقبل مياه صرف معالجة أو التحول لأنظمة التبريد بالهواء، ورغم أن ذلك يتطلب استثمارات عالية، فإنه ضرورة.
كما شدد على أهمية قيام الحكومات بدراسة «مدى جدوى الإنفاق» على توفير هذه الموارد المائية غير التقليدية للتبريد، ومقارنة العائد الاقتصادى من استقبال هذه المراكز بالعائد من استخدام هذه المياه فى أغراض أخرى كالزراعة أو الصناعات قليلة الاستهلاك للمياه، أخذا فى الاعتبار الجانب الاستراتيجى المتعلق بتوفير الغذاء والموارد المائية والمالية المطلوبة لذلك. ويرى أن كل ذلك يتطلب أن يكون ‹تقييم الأثر المائى› جزءا مهما من دراسات تقييم الأثر البيئى لأى مشروع.
الحل: كود عربى موحد
كما طرح الخبير الدولى خارطة طريق تشريعية عاجلة، مطالبا بضرورة أن تعمل المنظمات الإقليمية، مثل المجلس العربى للمياه، على وضع كود عربى موحد لمراكز البيانات الخضراء يحدد سقفا لاستهلاك المياه لكل وحدة بيانات أو لكل سؤال، ويقول: «عاجلا أو آجلا سيكون هناك أهمية لوضع سياسات ومواصفات وكودات وطنية بخصوص ترخيص مراكز البيانات، خاصة فى الدول الفقيرة مائيا، ويجب أخذ هذا النشاط فى الاعتبار عند تخطيط المدن وتحديد المناطق المسموح فيها بذلك».
يقترح «أبوزيد»: «يمكن للمنظمات نشر التوعية بأساليب المعالجة وطرق حساب الاستهلاك، وتنظيم ورش عمل للخبراء لمناقشة السياسات والاشتراطات الواجبة لاستضافة سيرفرات الشركات العالمية»، ويدعو لدعم الابتكار فى مجال كفاءة استخدام المياه عبر المسابقات العلمية والنشر العلمى، كما يفعل المجلس العربى للمياه وأكاديميته التدريبية.
فى حين رمى المهندس أحمد بهاء الدين بالكرة فى ملعب المؤسسات الدولية، فهو يرى أن الحل ليس فى قوانين محلية عاجزة، بل فى طاولة مفاوضات أممية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وأضاف قائلا: «أرى أن المسؤولية لا يمكن أن تتحملها حكومة بعينها لأن المنتج الرقمى عابر للحدود بطبعه، فالاستعلام الذى يطلبه مواطن فى صعيد مصر قد يُعالجه مركز بيانات فى أمريكا الوسطى، والعكس صحيح»، لذلك، طالب بأن تتبنى الأمم المتحدة والاتحاد الدولى للاتصالات مبادرات عالمية تفرض ترشيد استخدام منصات الذكاء الاصطناعى لاستهلاك الطاقة.
حملات توعية لترشيد الاستهلاك
وبالانتقال إلى مربع المسؤولية المشتركة، وبما أن روبوتات الذكاء الاصطناعى أصبحت كصنبور المياه فى المنازل، يمكن لأى شخص فتحه فى أى وقت، كما طالب بانطلاق حملات توعية بخطورة الإفراط فى استهلاكه، تماما كما نفعل فى حملات التوعية بالمياه، حين نقول للناس: «اقفل الحنفية لأنها بتفيد كل الناس»، فهو لم يكن يرى فرقا بين قطرة ماء تضيع من صنبور تالف، وبين سؤال عبثى يُطرح على ذكاء اصطناعى لا حاجة له، ثم ختم الحوار بنصيحة قد يراها البعض مضحكة، ولكنه ضحك كالبكاء، قائلا: «متقعدش كل شوية تقول لـChat GPT شكر «Thanks»، فكلمة شكرا هذه تستهلك بصمة كربونية وتستنزف دورة معالجة كاملة من الطاقة والماء».

المهندس أحمد بهاء الدين الموجه الإقليمى لميكروسوفت
دور الحكومات بالضغط على شركات التكنولوجيا
ومن منظور بيئى بحت، طالبت المسؤولة بمنظمة جرينبيس بوضع الحكومات أمام مسؤوليتها التاريخية، مطالبة بأطر تنظيمية قوية تعكس الحدود البيئية لا جداول المستثمرين، وجعل تقييمات الأثر البيئى علنية وإلزامية، مؤكدة: «الانتقال العادل لا يمكن أن يُبنى على استمرار تصدير التكاليف البيئية إلى الجنوب العالمى، بل يجب أن يعطى الأولوية لحقوق الناس والحدود البيئية على المكاسب الاقتصادية القصيرة».
إذن، نحن الآن فى قلب معادلة صفرية، فإما أن نكون شركاء فى صياغة دستور مائى- رقمى يفرض الشفافية ويحمى قطرة الشرب قبل معالجة البيانات، أو أن نكتفى بدور المبرد البشرى الذى يحرق موارده لتنعم الشركات ببياناتها. إن «تصدير العطش» ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة لقرارات أحلاها مُر، وبينما ننتظر أن تصدق وعود الشركات بالاستدامة، يظل العداد لا يتوقف عن العد، والبئر لا يتوقف عن الجفاف.
والآن أغلق ابنى حاسوبه وهو يبتسم، مزهوا بالحلول الخضراء التى قدمها له الروبوت لإنقاذ الكوكب، دون أن يدرك أن تلك الإجابة كلفت بئر مياهنا قطرات لا تُعوض، وأنت عزيزى القارئ تذكر فى المرة المقبلة التى تهم فيها بسؤال الذكاء الاصطناعى، أن كل كلمة يكتبها لك هى خصم مباشر من رصيد أطفالنا فى الحياة. لا تَقُل له «شكرا»، بل وفر هذه الكلمة لتروى بها عطش الأرض، فالحقيقة التى كشفتها الأرقام هى أن الروبوتات قد تملك الذكاء، لكنها تفتقر للارتواء، وإذا لم نضع كودا أخلاقيا ومائيا يحمى حدودنا، فسنستيقظ يوما لنجد شاشاتنا تلمع بالذكاء، بينما صنابيرنا تبكى من الجفاف.
