في الوقت الذي سعت فيه فرنسا إلى تقديم قمة “أفريقيا إلى الأمام” في العاصمة الكينية نيروبي باعتبارها بداية مرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية الأفريقية، بدا الغياب الجنوب أفريقي لافتًا ومثيرًا للتساؤلات، خاصة أن بريتوريا تُعد واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والسياسية في القارة، وعضوًا مؤثرًا في مجموعة العشرين و”بريكس”، فضلًا عن دورها التقليدي في الملفات الأفريقية والدولية.
القمة التي جمعت أكثر من 30 وفدًا أفريقيًا والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وركزت على الاستثمار وإصلاح النظام المالي العالمي، بدت وكأنها محاولة فرنسية لإعادة تموضع نفوذها داخل أفريقيا، خصوصًا بعد التراجع الحاد لدور باريس في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
غير أن غياب جنوب أفريقيا عن هذا المشهد فتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بأبعاد سياسية ودبلوماسية أعمق من مجرد “ظروف تنظيمية”.
قمة فرنسية بنكهة أفريقية جديدة
انعقدت قمة “أفريقيا إلى الأمام” في نيروبي يومي 11 و12 مايو، بوصفها أول قمة فرنسية أفريقية تُعقد بالشراكة مع دولة ناطقة بالإنجليزية، في تحول يعكس محاولة باريس تجاوز إرث “فرانس أفريك” والانفتاح على شرق أفريقيا والأسواق غير الفرنكوفونية.
وركزت القمة على قضايا التمويل والاستثمار والذكاء الاصطناعي والطاقة والتحول الاقتصادي، مع إعلان فرنسا عن حزمة استثمارات وتعهدات مالية تصل إلى 23 مليار يورو، في إطار مساعيها لإعادة بناء حضورها داخل القارة عبر الاقتصاد والشراكات التنموية بدلًا من المقاربة العسكرية التقليدية.
لكن بينما حضرت دول أفريقية عديدة على أعلى مستوى، غابت جنوب أفريقيا عن التمثيل الرئاسي، في مشهد وصفته دوائر دبلوماسية وإعلامية بأنه أحد أبرز ملامح القمة.
جنوب أفريقيا الغائبة الكبرى
بحسب تقارير إعلامية أفريقية، فإن الرئيس سيريل رامافوزا لم يشارك في القمة، كما أن الوزيرة ماروبيني راموكجوبا، التي كان يُفترض أن تمثل جنوب أفريقيا، لم تسافر أيضًا إلى نيروبي بسبب ارتباطات داخلية تتعلق باجتماعات قيادية داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم.
ورغم التفسير الرسمي الذي تحدث عن “تضارب في المواعيد”، فإن مراقبين رأوا أن الغياب لا يمكن فصله عن التحولات المتسارعة في علاقات بريتوريا مع القوى الغربية، ولا عن حالة الفتور النسبي التي باتت تطبع بعض الملفات بين جنوب أفريقيا وفرنسا والغرب عمومًا.
تحولات جيوسياسية وراء الغياب
يرى محللون أن جنوب أفريقيا تنظر بحذر إلى محاولات فرنسا إعادة صياغة علاقتها بالقارة، خاصة في ظل تصاعد النفوذ الروسي والصيني داخل أفريقيا، واتساع هامش التحرك الذي باتت تتمتع به دول أفريقية كبرى بعيدًا عن الهيمنة الأوروبية التقليدية.
كما أن بريتوريا، التي عززت خلال السنوات الأخيرة حضورها داخل تكتلات مثل بريكس، تبدو أكثر اهتمامًا ببناء شراكات متعددة الاتجاهات، بدلًا من الانخراط في أطر تقودها القوى الغربية أو الأوروبية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات بين جنوب أفريقيا وبعض العواصم الغربية توترات متكررة، على خلفية مواقف بريتوريا من الحرب في أوكرانيا، وعلاقاتها المتنامية مع روسيا والصين، إضافة إلى تحركاتها القانونية والسياسية ضد إسرائيل في المحافل الدولية.
فرنسا تعيد التموضع شرقًا
غياب جنوب أفريقيا تزامن مع تركيز فرنسي واضح على شرق أفريقيا، وخاصة كينيا، التي تحولت إلى شريك رئيسي لباريس في النسخة الجديدة من القمة.
وتشير تقارير إلى أن باريس باتت تنظر إلى شرق أفريقيا باعتباره فضاءً أكثر استقرارًا اقتصاديًا وسياسيًا، مقارنة بغرب أفريقيا والساحل، حيث تعرض النفوذ الفرنسي لانتكاسات متتالية بعد الانقلابات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وفي هذا السياق، بدت نيروبي بمثابة منصة فرنسية لإعادة تقديم نفسها كشريك اقتصادي وتنموي، بعيدًا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالإرث الاستعماري والتدخلات الأمنية.
هل كان الغياب رسالة سياسية؟
ورغم النفي الرسمي لأي خلافات مباشرة، فإن بعض المراقبين اعتبروا أن غياب جنوب أفريقيا يحمل رسائل سياسية غير معلنة، خاصة أن بريتوريا اعتادت لعب أدوار مركزية في القمم الأفريقية والدولية الكبرى.
كما أن الغياب جاء بعد جدل سابق بشأن استبعاد جنوب أفريقيا من قائمة الضيوف الأفارقة في قمة مجموعة السبع التي تستضيفها فرنسا هذا العام، وهو ما أثار نقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الجنوب أفريقية بشأن طبيعة العلاقة مع باريس والغرب.
ويرى محللون أن بريتوريا ربما أرادت تجنب الظهور ضمن إطار يُنظر إليه باعتباره محاولة فرنسية لإعادة ترتيب النفوذ داخل أفريقيا، خاصة في لحظة تشهد فيها القارة تحولات كبرى في موازين العلاقات الدولية.
قارة تعيد رسم علاقاتها الدولية
في النهاية، يكشف غياب جنوب أفريقيا عن قمة “أفريقيا إلى الأمام” حجم التحولات التي تشهدها القارة في علاقتها مع القوى الدولية التقليدية.
فأفريقيا اليوم لم تعد تتحرك ضمن محور واحد، بل باتت ساحة مفتوحة لتنافس اقتصادي وجيوسياسي واسع، تحاول فيه الدول الأفريقية الكبرى إعادة تعريف مصالحها وشراكاتها وفق حسابات أكثر استقلالًا.