زرت المتحف المصرى الكبير فى ختام شهر يناير من عام 2026، ويقع على طرف من هضبة الجيزة، وتظهر الأهرام من شرفاته الزجاجية، سبق لى أن زرتُ متاحف اللوفر فى باريس وفى أبو ظبي، والبريطانى فى لندن، والمتروبوليتان وغوغنهايم فى نيويورك، ومتحف برادو فى مدريد، وأوفيزى فى فلورنسا، والمتحف العراقى فى بغداد، والمتحف الإسلامى فى الدوحة، وبعض متاحف إسطنبول، ومتاحف أخرى فى إيطاليا وإسبانيا وهولندا وألمانيا والنمسا، وهى وإن كانت من أعظم المتاحف، غير أنها لا تمثّل إلا جزءًا قليلًا من المتاحف الكثيرة فى العالم، غير أننى لم أشهد بينها متحفًا يضاهى المتحف المصرى الكبير، المختصّ بكامله بالآثار الفرعونية، فلا يوجد فيه سواها. وما عُثر عليه من لقى يمثّل أقلّ القليل الموجود فى تلك البلاد، لكنه يكشف عن أمة عظيمة شُغلت بالدنيا كما شُغلت بالدين، وما برحت تزاوج بينهما على نحو فريد، فلا يغلب هذا ذاك، ولا يظفر ذاك بهذا. وهو أمر شبه نادر بين الأمم الحيّة التى تتقلّب أحوالها بين الدين والدنيا، فتنهار مقوماتها الحضارية، وتتهشّم هوياتها، غالبةً كانت أم مغلوبة.
تتعذّر الإحاطة بما يحتويه المتحف المصرى الكبير، وتتنافس مقتنياته فى روعتها ودلالتها على الحياة فى مصر الفرعونية الممتدة لحوالى ثلاثين قرنًا (المدى الأشدّ دقة تاريخيًا للحقبة الفرعونية يستغرق 2760 سنة، بدأ بتوحيد مصر العليا والسفلى على يد الملك مينا فى عام 3100 ق.م، وانتهى على يد الإسكندر الأكبر فى عام 332 ق.م، ولكن تُضاف إليه أحيانًا مدة الحكم الرومانى حتى وفاة كليوباترا فى سنة 30 ق.م، جرّاء استمرار التقاليد الفرعونية الراسخة فى حياة المجتمع المصري، لتكون حقبة القرون الثلاثة الأخيرة فرعونية من الناحية الحضارية، ورومانية من الناحية الإدارية).
وتُعدّ مجموعة الملك توت عنخ آمون من أهم الكنوز المعروضة فى المتحف، وهى تُعرض أول مرة فى مكان واحد غير منقوصة. ومنها القناع الذهبى المدهش للملك توت عنخ آمون الذى يتصدر القاعة، والتوابيت المذهّبة الفخمة التى يُحار المرء فى دقة صنعها، والعجلات الحربية التى كان الملك يستعين بها فى تنقّلاته، والأسِرّة الملكية الذهبية المنحنية قليلًا لكى توفّر راحة للنائم، ثم مجموعة الحُلى والمجوهرات التى كان يتزيّن بها، فضلًا عن الأدوات المنزلية المستخدمة فى قصره. وقد انتظمت فى سردية تكشف طبيعة حياة ملوك مصر القديمة، وطبيعة الحياة التى عاشوها، والطقوس الجنائزية التى أعقبت موتهم. والمجموعة الأخرى من الآثار تخصّ مراكب الملك خوفو، وهى من أعرق المراكب فى التاريخ، وتُصوّر طريقة الملك فى رحلته الرمزية صوب الشمس فى الآخرة، ولذلك يُطلق عليها قوارب الشمس. وإلى ذلك، هناك التماثيل الخاصة بأخناتون وحتشبسوت، فضلًا عن الكتَبة والمدوّنين والمحاربين. والفريد الذى يلفت النظر وجود أروقة تحت الأرض فيها برديات الكتب المصرية القديمة، منها كتاب الموتى، وفيها تمثيل للغواني، والراقصات، والمغنيّات، وكاهنات الجمال.
من شبه المحال الإحاطة بمقتنيات المتحف، لأنها بمئات الآلاف، وكل واحدة منها لها خامتها وهويتها وتاريخها ودلالتها، ولكننى أريد الوقوف عند التمثال الضخم لرمسيس الثاني، الذى يُعدّ أحد أعظم الشواهد على قدرة النحت المصرى على الجمع بين الضخامة والدقة، والسلطة والجمال، والرمز والحقيقة. والتمثال منحوت من الجرانيت الوردي، بارتفاع يزيد على 11 مترًا، وبوزن يقارب 83 طنًا، وقد منحه ذلك حضورًا مهيبًا من دون أن يُخلّ بتوازن الفضاء المعمارى للمتحف، حيث وُضع فى البهو الكبير عند المدخل. يعود نحت التمثال إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إبّان حكم رمسيس الثانى (نحو 1279–1213 ق.م)، وهو عصر بلغ فيه الفن المصرى ذروة نضجه. وقد أُنجز التمثال وفق معايير دقيقة فى التناسب والهيئة، بحيث تبدو الكتلة الحجرية الهائلة خاضعة لنظام منضبط من القياس والتنظيم، لا أثر فيه للعشوائية أو الإفراط. من الناحية الجمالية يتميّز التمثال بصفاء الخطوط، وهدوء التعبير؛ فالوجه متماسك، والنظرة ثابتة، والملامح تجمع بين الصرامة والسكينة، فى تمثيل فائق القدرة لفكرة الملك الإلهى الحامى للنظام الكونى فى مصر القديمة. كما تبرز نعومة الصقل فى الجرانيت الوردى قدرة النحّاتين على تطويع حجر شديد الصلابة. تتجسّد فى التمثال السلطة الرمزية للملك فى هيئة فنية متوازنة، ويتحوّل التاريخ المصرى القديم إلى حضور ماثل للعيان لا يحتاج إلى أى تأويل.
ما الغاية التي أريد الخلوص إليها، وأنا أشير بعجالة إلى الهوية الفنية لتمثال رمسيس الثاني؟ غايتي مقارنة تمثال نُحت قبل أكثر من 3250 سنة بتمثال داود الذي نحته مايكل أنجلو قبل نحو 500 سنة، يُعدّ تمثال داود المودَع في غاليريا الأكاديميا بفلورنسا، من وجهة نظر الفن الغربي الحديث، أحد أعظم منجزات النحت في عصر النهضة، بل في تاريخ الفن الغربي كله، نُحت التمثال بين عامي 1501 و1504 من كتلة واحدة من الرخام الأبيض. يبلغ ارتفاعه نحو 5 أمتار، ويزن 5 أطنان بزيادة طفيفة، ويُجسّد النبي داود في لحظة ما قبل المواجهة مع جالوت، حيث تظهر المعرفة التشريحية الدقيقة في تفاصيل العضلات، والعروق، وتوتّر الرقبة، ونظرة العين المركّزة، بما يعكس سيطرة العقل على القوة الجسدية. يمثّل تمثال داود ذروة المزج بين المثال الكلاسيكي وفن عصر النهضة، ويجسّد فكرة الإنسان القادر على مواجهة المصير بإرادة قوية، مما جعله رمزًا سياسيًا وأخلاقيًا لفلورنسا، وتحفة خالدة في تاريخ النحت.
زرتُ الأكاديمية في فلورنسا مرتين لرؤية تمثال داود: مرة في صيف عام 2007، ومرة في خريف 2016، وفي الأخيرة أطلتُ المكوث في الأكاديمية، حيث كنتُ باحثًا زائرًا في فلورنسا. وكنتُ أحسبه أعظم تمثال في التاريخ، لما فيه من مهارة في النحت، وقوة في التعبير، وضخامة في الحجم، ما يكاد يكون متعذّرًا على الفنان استيلاد ذلك التمثال الكبير من تلك الصخرة الهائلة التي كانت متروكة في أحد أزقة فلورنسا، لكن أنجلو فعل ذلك ببراعة لا خلاف عليها. غير أنني، حينما وقفتُ أمام تمثال رمسيس الثاني في المتحف المصري صباح يوم 2026-01-29، دهشتُ أكثر مما حدث معي حين رؤيتي لتمثال داود، فمع الأخذ في الحسبان فارق الزمن الذي يقارب ثلاثة آلاف سنة، حيث كانت أدوات النحت بسيطة، وخبرة النحّاتين محدودة، فإن تمثال رمسيس الثاني، الذي يزيد ارتفاعه على ضعف تمثال داود، ووزنه أكثر من خمسة عشر ضعفًا، من الناحية الفنية، ينتمي تمثال رمسيس الثاني وتمثال داود لأنجلو إلى نظامين جماليَّين مختلفين. يقوم الأول على مبدأ الثبات والخلود؛ فالجسد مغلق الكتلة، ومتوازن تناظريًا، حيث تتقدّم رمزية السلطة المهيبة على التشريح الطبيعي للجسد الصخري، والهدف تثبيت صورة الملك بوصفه كيانًا خالدًا لا فردًا عابرًا. أما الثاني فقائم على الحيوية البشرية؛ الجسد في وضع غير متماثل، والحركة كامنة في اللحظة التي تسبق لقاء داود بجالوت، أي لقاء النبي بالطاغية. نُحت رمسيس ليخلُد، ونُحت داود ليفعل؛ الأول تمثال سلطة كونية ثابتة، والآخر تمثال نبيّ عابر في سلالة الأنبياء. وقد رجح لديّ جمال وفخامة ودقة تمثال انحدر من الماضي البعيد جدًا، ولا يكاد يكون تمثال داود، على رغم مزاياه الفنية الرفيعة، سوى طفل يحبو في حضرة تمثال رمسيس.
أعرف أن نقاد الفنون المولعين بتغليب الفنون الغربية على سواها سوف ينالون من حكمي هذا، لأنه حكم طارئ من غير مختص، وسوف يجدون فيه مجالًا للطعن، وأحدس بواعث ذلك؛ فالثقافة الغربية أعلت مقام فنونها، وجعلتها المثال الأعلى للذوق والرفعة والمهارة، وأعرضت عن الفنون الأخرى، كائنًا ما كانت مزاياها الفنية. كما دخل الدين حكمًا على ذلك؛ فرمسيس فرعون وثني، وداود نبي يهودي. وقع تجسيد الأول عيانًا بنحت حدث في زمانه، وجُري تخييل الثاني بناءً على السردية التوراتية. لو جرت مقارنة منصفة في الكفاءة والمهارة والدقة والزمن، لغلبت التماثيل المصرية القديمة نظيرتها الرومانية، التي سبقتها بأكثر من ألف عام، وحتى تماثيل عصر النهضة التي حاكتها، كما هو شأن تمثال داود. ولكن القيم الفنية الفاعلة في عصرنا لا تجري على الحقيقة، إنما تمتثل للتبعية الثقافية والفنية. أحسب أن مقتنيات المتحف المصري، المجتمعة في مكان واحد، سوف تغيّر من مسار تطوّر تاريخ الفنون، وهو مسار رسمه التاريخ الغربي للفنون، والطعن فيه امتثالًا للحقيقة أولى من الإيمان الأعمى به.