كان إبراهيم باشا يقطع الطريق على رأس جيشه نحو العاصمة العثمانية «استانبول»، وحين وصل إلى أبواب «كوتاهية» تلقى خطابا من والده محمد على باشا يأمره بالتوقف، حسبما يذكر الدكتور عبدالرحمن زكى فى كتابه «التاريخ الحربى لعصر محمد على الكبير»، مؤكدا أن إبراهيم تلقى الخطاب وهو يعلم أنه ليس للسلطان العثمانى جندى واحد فى طريقه إلى عاصمة الخلافة.
كان طريق «إبراهيم باشا» إلى استانبول استكمالا لسلسلة انتصاراته على العثمانيين، وتمكن بعدها من السيطرة على سوريا، ثم واصل زحفه إلى المدن التركية، ويؤكد عبدالرحمن الرافعى فى كتابه «عصر محمد على»: «كان السلطان محمود ترتعد فرائضه، بعد واقعة هزيمة جيشه فى قونية، إذ رأى قوائم عرشه تتزلزل أمام ضربات الجيش المصرى وانتصاراته المتوالية».
يذكر عبدالرحمن زكى، أن الأمر الذى تلقاه إبراهيم باشا من والده بالتوقف عن زحفه نحو «عاصمة الخلافة» جاء بعد وصول الجنرال «مورافيف» مبعوث قيصر روسيا إلى الإسكندرية، ثم وصول «خليل رفعت باشا» مندوب الباب العالى، يحمل إلى محمد على عفو السلطان عنه وتوليه عكا وملحقاتها، ولكن لصداقة محمد على له اتفق معه على شروطه للاتفاق أهمها أن يعطى محمد على ولاية سوريا وأدنة، وأن تبرم بينه وبين خسرو باشا محالفة تعاون تضع حدا لنزاعهما.
يضيف زكى: «وصل إلى إبراهيم باشا ثلاثة رسل من الآستانة، الأول رسول الباب العالى ليبلغه أنهم أرسلوا إلى والده رسولا للاتفاق، والثانى رسول الجنرال مورافيف، والثالث رسول سفير فرنسا، وكان إبراهيم يعتقد أن الاتفاق بين خليل رفعت باشا وبين أبيه أمر ممكن، ولكنه كان يرى أن الصلح الذى يبرم مع السلطان محمود هو صلح غير دائم، بل يكون بمثابة هدنة، حتى يتمكن السلطان من العودة إلى القتال، ويتضح رأيه مما كتبه فى خطاب لأبيه يوم 3 فبراير، مثل هذا اليوم، 1833».
يقول إبراهيم فى خطابه لأبيه: «أرى أن يكون الاستقلال مقدما على كل شىء فى المناقشات التى تدور بينك وبين الرسولين «مورافيف» و«خليل باشا»، فمسألة الاستقلال مسألة حيوية تقدم على كل شىء، وبعد الاعتراف بالاستقلال يجب أن نطلب أضاليا وأدنة وجزيرة قبرص، وأن يضم إلى مصر إن كان ذلك فى الإمكان تونس وطرابلس، ذلك أقل ما يجب أن نطلبه ولا نتساءل عن أى شىء كان مهما كان الأمر لأن مصلحتنا تقضى به، أما إصرارنا على الاستقلال فلكى نوطد مركزنا، ونحوطه بالضمانات، فإذا لم ننل الاستقلال ذهبت جميع مجهوداتنا ضياعا ومكننا تحت يد هذه الحكومة الخبيثة التى تهددنا بمطالبها الدائمة وبطلب المال، فمن الآن يجب أن نتخلص من الأعباء المبهظة ولا نجد خلاصا إلا بالاستقلال».
يشرح «إبراهيم» أسباب طلبه لوالده بأن يصمم على ضم أضاليا وأدنة وجزيرة قبرص إلى مصر، قائلا: «السبب الذى يدعونا إلى ضم أضاليا وأدنة فهو شدة حاجاتنا إلى الخشب، لأن مستقبل أسطولنا معلق على ذلك ما دامت بلادنا محرومة من الخشب، وأنت تذكر أن إنجلترا منعت ورود الخشب إلينا، فاضطررنا أن نلجأ إلى النمسا التى أزعجنا رفضها إزعاجا لا نستطيع نسيانه، وهل من حاجة بى لأبين شدة حاجتنا إلى الخشب، فأنت ذاتك قلته لى فى الأمر الذى أصدرته حديثا، كما أنه يجب عليك ألا تهمل وسيلة من الوسائل لصد الجيش التركى، كذلك يجب أن تعمل كل ما فى استطاعتك عمله للحصول على الخشب».
ينتقل «إبراهيم» بعد ذلك إلى توضيح أهمية قبرص بالنسبة لمصر، قائلا: «أما ضم قبرص لمصر فهو أيضا لازم لا مندوحة عنه لسببين: الأول، ليكون مركزا لأسطولنا، والثانى، لمنع الباب العالى من أن يكون له طريق إلى أملاكنا»، ثم يطرح إبراهيم فكرة ضم بغداد ولكن بهدف المقايضة، ويقول لوالده: «إذا شئت أن تطلب بغداد فلا مانع من طرح هذه المسألة على بساط البحث على أن تتنازل عنها فى المستقبل لأن هذه الولاية لا تنفع شيئا، وهى كستارة بعيدة جدا عن مصر وتتطلب نفقات باهظة».
يختتم إبراهيم رسالته لوالده قائلا: «هذا ما أعرضه على مسامعك، وأوجه إليك مع منتهى الاحترام أنظارك»، ويذكر زكى أنه فى يوم 14 مايو 1833 تم إبرام اتفاق بين الطرفين، وبهذا الصلح تم تولية محمد على لمصر والحجاز وكريت، وجعل إبراهيم باشا واليا على سوريا وعكا ودمشق وطرابلس وحلب، ومحصلا لولاية «أدنة»، ورفرف العلم المصرى على كل هذه الأقاليم.