حازم الشريف يكتب: دعوة للفهم

الثلاثاء، 03 فبراير 2026 11:36 ص
حازم الشريف يكتب: دعوة للفهم حازم الشريف

في خضم ما تشهده المنطقة والعالم من متغيرات متسارعة وتحديات متشابكة تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الفهم؛ فهم الأحداث في سياقها الحقيقي، وفهم سياسات الدولة بعيدًا عن الشعارات السطحية أو التفسيرات المجتزأة، فليس كل قرار يُتخذ وليد لحظته ولا كل سياسة تُطبَّق بمعزل عن حسابات دقيقة تضع مصلحة المواطن في المقام الأول.

إن الدولة حين تضع سياساتها لا تفعل ذلك من فراغ بل تستند إلى معطيات اقتصادية وأمنية واجتماعية وتوازن بين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل، وقد تبدو بعض القرارات قاسية أو غير مفهومة للبعض عند النظر إليها بمعزل عن سياقها العام، لكن قراءة أعمق تكشف أنها تهدف في جوهرها إلى حماية الاستقرار وصون مقدرات الوطن وضمان استدامة الخدمات وفرص الحياة الكريمة للمواطنين.

وتكمن الإشكالية في أن غياب الفهم الصحيح يفتح الباب أمام الشائعات ويمنح مساحات للتأويل الخاطئ وربما الاستغلال المتعمد لحالة القلق الشعبي، هنا يصبح الوعي مسئولية مشتركة؛ مسئولية مؤسسات تشرح وتوضح ومسئولية إعلام يضع الحقيقة فوق الإثارة ومسئولية مواطن يسعى للفهم قبل إطلاق الأحكام.

إن التماشي مع سياسات الدولة لا يعني إلغاء النقد أو تعطيل حق التساؤل بل يعني ممارسة هذا الحق بعقلانية والتمييز بين النقد البنّاء الذي يسهم في التصحيح والتشكيك الهدّام الذي لا يرى إلا نصف الصورة فالدولة القوية لا تخشى النقاش لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى سند شعبي واعٍ يدرك أن التحديات لا تُواجه بالانقسام بل بالتكاتف والانسجام.

ففي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المواقف تصبح الحاجة إلى الفهم أولوية لا تقل أهمية عن اتخاذ القرار نفسه فالفهم ليس تبريرًا ولا خضوعًا بل هو إدراك واعٍ للسياق العام واستيعاب لحجم التحديات وتمييز دقيق بين المصلحة العامة والانفعالات اللحظية.

ولعلنا نفهم أن ما تمر به الدولة من قرارات وسياسات ليس معزولًا عن محيط إقليمي مضطرب ولا عن عالم يشهد تحولات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة ومن هذا المنطلق فإن قراءة المشهد بعين واحدة أو اختزاله في شعارات عاطفية يُفقد المواطن القدرة على التقييم العادل ويضعف الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

ولعل ما تشهده المنطقة حاليًا من صراعات إقليمية وانهيارات اقتصادية في دول قريبة وصعود الفوضى على حساب الدولة الوطنية يمثل مثالًا واضحًا على خطورة غياب الفهم والوعي دول تفككت لأن قطاعات من شعوبها انساقت خلف الغضب دون إدراك للعواقب فكان الثمن فقدان الأمن وضياع الاقتصاد وانهيار مؤسسات الدولة.

إن دعوة الفهم هنا لا تعني تعطيل النقد بل على العكس تعني ترشيد النقد وتوجيهه ليكون أداة إصلاح لا معول هدم فالنقد الواعي يستند إلى معرفة ويطرح بدائل ويُقدّر حجم المسؤولية أما النقد المنفلت فيكتفي بالاعتراض دون رؤية ويغفل عن المخاطر المحيطة.

وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن هو الغاية والوسيلة، كل سياسة رشيدة تستهدف تحسين جودة حياته وكل إصلاح حقيقي يراهن على وعيه ومشاركته؛ ومن هنا تأتي هذه الدعوة للفهم فهم يسبق الحكم ووعي يسبق الانفعال وإدراك بأن مصلحة الوطن والمواطن وجهان لعملة واحدة لا تنفصل فالفهم فى هذا التوقيت هو أول طريق النجاة وأهم ضمانة لبقاء الدولة وحماية المواطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة