كلما لعب الخصمان بالطريقة ذاتها؛ طالت المواجهة، وتعالت فرص الحلول الانقلابية. وما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلّه؛ ولكن العبرة بأفق الساعى إلى الإدراك، وأريحية المُقبل على التَّرك.
لا تحتاج الولايات المتحدة للتعبير عن قوّتها. يعرفها الجميع دون حاجة لاختبارها؛ ما يعنى أن التلويح بها يتخطى نطاق الإخطار والتحذير؛ وإن حافظ على هدف الردع والترويض.
تصطف أصول عسكرية كافية لإطلاق حرب. حاملة طائرات، والثانية على وشك الوصول، ومجموعة بحرية ضاربة، وعشرات القواعد المُتخمة بالمقاتلات والقاذفات من كل نوع، فضلا على خريطة انتشار من المحيط الهندى، للجزيرة والخليج العربيين، ومياه المتوسط وأطراف أوروبا.
جولتا حوار بين مسقط وجنيف، واليوم موعد الثالثة، والخشية أن تكون «ثابتة» على ما يستقر فى الوعى الشعبى عن الفرص التى لا تُرخَى إلا لتُسحَب؛ لا سيما إن كان المانح قادرًا على المنع، وفارق القوة جليًّا بما لا يُقاس.
الولايات المتحدة غير راغبة فى الحرب؛ للآن فحسب، وتستطيع خوضها متى شاءت، وباقة أهدافها أعلى من أخفض سقف قد ترتضى إيران بالانضواء تحته، ما يُبشّر برقصة خشنة، لن تنتهى إلا بمُغادرة أحد الشريكين للحلبة.
وقف ترامب أمام الكونجرس، الثلاثاء، مُسجلاً رقما قياسيا فى الكلام. تجاوز بخطاب حالة الاتحاد كل أرقام أسلافه، وكان الداخل فى الرُتبة الأولى؛ غير أن الجمهورية الإسلامية حجزت موقعًا بارزا؛ بالنظر لبقية العناوين والمضامين، وتقديمها فى مقابل إزاحة ملفات لا تقل أهمية.
ومع رجل الصفقات بمزاجه الانفعالى، ورسائله غير المجانية على الإطلاق، تختبئ الحكمة فى ثنايا الشعبويات والجُمل الفضاضة، ويُسرّب ضمنًا ما لا يُصرّح به؛ لا عن رغبة فى التورية والإضمار، بقدر ما أن دماغه المُرتّب جدا، لا يدلُّ على ترتيب أولوياته، أكثر من فوضاه وارتباكه وتضارب رواياته ومواقفه بين وقت وآخر، وفى اللحظة الواحدة.
وأخطر ما زجّ به عَرضًا، أن النظام الإيرانى قتل نحو اثنين وثلاثين ألفا فى احتجاجات الشهرين الماضيين، قافزا على كل التقديرات من داخل طهران وخارجها، وحتى لدى المعارضة الفارسية المُقيمة فى الغرب.
وإلى ذلك؛ فقد جَزم بأن الملالى صنّعوا صواريخ باليستية تصل إلى أوروبا، ويوشكون أن يُصيبوا الأراضى الأمريكية الواقعة على بُعد تسعة آلاف كيلو متر، ما يقطع بأن الاشتباك على النووى ليس آخر المطاف، ولن يُقدّم الطُّعمة المٌشبعة لسيد البيت الأبيض. وباتفاق أو من غيره؛ ستنعقد العُقدة مجددا عند مستوى أعلى.
الخلاف المُعلَن يكاد يُختَزَل فى التخصيب ومخزون اليورانيوم. والصراع على الطاولة دونه صراعات أكبر فى الكواليس: الصقور والحمائم تحت عمامة المرشد، واليمين الصهيونى بزعامة نتنياهو، ومساعيه للإجهاز على غريمته ومشروعها مرّة وللأبد، فضلاً على استثمار حروبه متعددة الجبهات فى البقاء.
بالمنطق؛ لا يُنتَظَر من الرئيس الأمريكى القبول باتفاق 2015 الذى أسقطه بولايته الأولى، ولا بأسوأ منه. وخامنئى لن يتعقّل إذا تساوت لديه تكاليف التهدئة والتصعيد، والعناوين الخلافية غير مُتّفق عليها من الأساس، ما يحصر اللقاءات الحالية فى حيّز الاستكشاف تكتيكيا، وتخطيط كل طرف لاستراتيجيّته، مع التحضير لما يتخفّى من التوقعات.
صانع السجاد يُقطّع الوقت، ويُراهن على ارتخاء أعصاب واشنطن المشدودة، وانحلال قبضتها كلما اقتربت من الانتخابات النصفية. وترامب بقدر ما لا يُريد غبارًا يعمى العيون؛ فما زال فى حاجة لمكاسب، وتعبير عن القوّة، وألّا يبدو رخوًا أو قابلاً للتوقُّع والاحتواء.
الأيام المقبلة خطيرة للغاية؛ لأن قنوات الاتصال لم تقطع خطوط الإمداد والتحضير للحرب. يُمكن أن يُجدِّد الأمريكيون الاتفاق السابق مع شروطٍ أقسى، أقلّها تعليق التخصيب ولو مُؤقّتًا. والإيرانيون لن يقبلوا ما يمسّ الكرامة، أو يبدو توقيعًا خانعًا على وثيقة انهزام واستسلام. والذاتية إن تقدّمت على الموضوعية؛ فلا مجال للعقل فى استقراء المآلات.
الأزمة عالية فى طهران؛ بالاختلاف داخل النظام نفسه. وترامب تقدّم باندفاعة لم تَعُد تقبل العودة بأذيال الخيبة. وإن عَبَرا محطّة النووى، فصدام الباليستى والميليشيات فى الانتظار.
إلى الآن لا تُثار الأسئلة الصحيحة، ولا يتحرّك الطرفان باتجاه تسوية ناضجة ومُستدامة. وفى مناخ كهذا؛ يتحوّل السؤال من «هل» إلى «متى»، وتخبو وجاهة الاطمئنان، وتصير الرسائل الإيجابية أكثر إزعاجًا الزمجرة والتهديد وقَرع الطبول للأسف.