تُعدّ القضية الفلسطينية من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية في العصر الحديث، لما تحمله من تداخل بين الأرض والهوية وحقوق الشعب الفلسطيني. منذ بدايات القرن العشرين وتصاعد المشروع الصهيوني خلال الانتداب البريطاني، وصولًا إلى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما تبعه من تهجير جماعي للفلسطينيين في «النكبة»، ظلت الأرض محور الصراع، ليس فقط على المستوى السياسي، بل الثقافي والإنساني أيضًا.
في هذا السياق، يقدم مسلسل «أصحاب الأرض» قراءة درامية عميقة لمعنى الأرض والانتماء، حيث لا يقتصر على صراع على الملكية، بل يجعل من الأرض وعاءً للذاكرة الجماعية ورمزًا للكرامة والهوية. يسلط العمل الضوء على معاناة الفلسطينيين في غزة، ويجسد تفاصيل يومية مؤلمة من خلال شخصيات تحاول التمسك بحياتها رغم الدمار، مثل شخصية «كرمة» التي تكافح لحماية أسرتها وسط القصف وانقطاع الخدمات، ما يعكس المأساة الإنسانية ويقرب المشاهد من تجربة الواقع الفلسطيني.
وقد أثار المسلسل تفاعلًا واسعًا في العالم العربي، حيث عبّر فلسطينيون عن شعورهم بأن الأحداث تمثل واقعهم، بينما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تداولًا كبيرًا لمشاهد الحلقات، معبرة عن تعاطف وجداني مع الشخصيات وصمودها. وفي المقابل، واجه العمل ردود فعل إعلامية وسياسية متباينة؛ إذ انتقدت وسائل إعلام عبرية المسلسل معتبرة أنه يتجاوز كونه عملاً دراميًا ليصبح «وثيقة تاريخية وإنسانية» تسلط الضوء على الحرب في غزة وتضع الرواية الإسرائيلية في مأزق.
على صعيد آخر، أثارت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، جدلاً كبيرًا بتلميحه إلى أحقية إسرائيل في السيطرة على أراضٍ عربية استنادًا إلى تفسيرات توراتية، ما قوبل بإدانات رسمية من مصر ودول عربية وإسلامية عديدة باعتباره خروجًا على مبادئ القانون الدولي ومساسًا بسيادة الدول العربية.
دول عدة أدانت التصريحات، معتبرة أنها “خطرة واستفزازية” وتتناقض مع المواقف الدولية الرافضة لأي توسع استيطاني. في المقابل، أصدرت إدارة الولايات المتحدة تصريحات تهدئة، موضحة أن تصريحات السفير تعكس آرائه الشخصية ولا تمثل سياسة رسمية.
وعند النظر للأبعاد الثقافية، يتضح رابط المسلسل بالمقارنة بين الأدب الصهيوني والمصري. فالأدب الصهيوني، المتأثر بأفكار تيودور هرتزل، يقوم على سردية «العودة» وبناء الوطن القومي، بينما ينطلق الأدب المصري من رؤية تاريخية ترى الأرض امتدادًا للهوية والذاكرة الوطنية، وهو ما تجسده شخصيات «أصحاب الأرض» التي تتمسك بحقها المشروع وترفض الطمس أو المصادرة، كما روج له الأدب المصري منذ رواده مثل نجيب محفوظ.
وبذلك يؤكد المسلسل أن الدراما التلفزيونية أصبحت منصة قوية لإعادة صياغة الوعي الوطني، وربط الفن بالواقع، لتصبح الأرض أكثر من مجرد مكان، بل تجربة معيشة وتاريخ وجذور وامتدادًا للكرامة في مواجهة سرديات مغايرة تهدد الحقوق التاريخية.