"عزيزتى القاهرة.. رفقا بذوى الأحلام".. تصدّرت هذه العبارة بوستر مسلسل "فخر الدلتا"، وهى ليست جملة عابرة على صلة بالمسلسل وأحداثه فحسب، لكنها فى مضمونها "رجاء"، يستجدى من القاهرة، الرفق بسكانها وبالوافدين عليها، فكلمة "عزيزتى"، من المفترض أن توحى بالحميميّة، لكنها هنا أضفت قدرا من الهيبة على القاهرة كمكان هائل وضخم، رغم حس السخرية الذى نستطيع أن نلمسه فى العبارة كاملة، سخرية تليق بعمل درامى يُصنف كوميدياً، يتحدث عن وافد إلى المدينة، سعيا وراء تحقيق الذات.
تأثير عنصر المكان
للمكان، وظيفة درامية، تختلف أهميتها باختلاف النوع والشكل والتناول الدرامى، فالبيئة التى تدور فيها الأحداث، تلقى بظلالها على شخصيات العمل، تؤثر فيها وتتأثر بها، الشخصيات التى يحتضنها الفضاء الريفى، تختلف نفسيا واجتماعيا ووظيفيا عن شخصيات المدينة، والشخصيات التى تعيش فى رحابة واتساع، تختلف كلياً عن تلك التى تعيش فى الأماكن الضيقة والمُحاصرة، وهناك الكثير من المُبدعين، كانت الأماكن هى البطل الحقيقى فى عوالمهم، فالحارة مُرتبطة وجدانيا بنجيب محفوظ، والريف متعلق فى الأذهان بخيرى شلبى، أما المدينة فهى المكان المفضل لدى محمد خان، تدهس فيه الأحلام وتبتلعها، وأحيانا تختلف رؤية المُبدعين تجاه نفس المكان.

بوستر فخر الدلتا
والقاهرة باعتبارها المدينة المركز، كانت ــ ولا تزال ــ مادة خصبة للمُبدعين، يطوف الجميع فى فلكها، مزدحمة دائما بالأحلام والأوهام، وبالبشر الذين يهرولون فى كل مكان بعشوائية مُنظّمة، مُكدسة بالخلفيات، سواء كانت اجتماعية أو نفسية أو سياسية أو دينية، مدينة لا مكان للهدوء بداخلها، لأنها لا تنام.
حضور واضح للقاهرة فى الدراما
فى مسلسلى "عين سحرية" و"فخر الدلتا"، حضور طاغٍ للقاهرة، كمدينة شديدة القسوة، موطناً للأحلام، ومقبرة لها، صباحها ليس كليلها، متعددة المستويات الاجتماعية، مُلهمة للبعض، ومُنفّرة للكثيرين.
فى "فخر الدلتا"، يطلب المخرج هادى بسيونى من القاهرة صراحةً، الرفق بذوى الأحلام، لكن فى "عين سحرية"، فعل المخرج السدير مسعود نفس الأمر، لكن دون أن يُعلنها، لكنه ترك الكاميرا تقوم بهذه المهمة.
فخر، شاب ريفى، موهوب، لكنه لا يجد فى الريف بيئة حاضنة لموهبته فينزح للقاهرة بحقيبة أحلام على كتفه، أما عادل فى "عين سحرية" فهو من سكّان المدينة، لكنه يقبع فى قاعها، ورغم المقاومة إلا أن المدينة تدفعه دفعاً إلى أسفل باتجاه عوالمها السرية.
لم نر فى "فخر الدلتا" قاع المدينة مثلما رأيناه فى "عين سحرية"، لكن نستطيع أن نشعر قسوتها مع "فخر" الذى وجد فيها السخرية والتنمر والقسوة والحاجة والصراع، يقاومهم متسلحا بموهبته، لكن يبدو أنها غير كافية لمواصلة المقاومة.
القاهرة تحت المايكروسكوب
أما فى عين السحرية فالمخرج يأخذنا فى رحلة نحو الأسفل لنرى القاهرة تحت المايكروسكوب، مُستغلا مهاراته فى تكوين لوحات فنية شديدة القتامة، لتكون أكثر تعبيرا عن هذا العالم، فالكادرات غير المريحة والتى تعطى إحساساً بالتوتر، والإضاءة الخافته التى تصل أحياناً حد الإظلام، والزوايا الضيقة، جميعهم أعطوا انطباعا بأن هذه القاهرة، ليست كالقاهرة التى نعرفها.

باسم سمرة والقاهرة
يتفنن المخرج صباحا فى إبراز جمال القاهرة الخديوية، من نافذة شخصية المحامى زكى، الموجودة بميدان طلعت حرب، قلب القاهرة، أما ليلا، فالكاميرا تصول وتجول فى شوارع القاهرة، على دراجة عادل النارية، فيتجلّى الفساد والمُفسدون، فى مواجهة هشاشة المُهمشين.
الأسطح كنافذة على المدينة
يختلف "عين سحرية" عن "فخر الدلتا" تماما، فالأول من نوعية أعمال الإثارة والتشويق وربما الحركة، أما الثانى فهو مسلسل كوميدى، لكن القاهرة، هى أرضيتهما المشتركة، يسكن فخر فى غرفة على أحد الأسطح فى بناية عالية، فيطل من سطحها على القاهرة، هذا السطح المُستغل من قِبل إحدى شركات الإعلان، التى وضعت فيها لوحة إعلانية ضخمة، أما عادل فصحيح أنه يسكن فى شقة بسيطة، لكن سطح منزله أيضا حاضر وبقوة، يستغله المخرج كملاذ آمن للبطل، يُخطط فيه ويتحدث عن مخاوفه مع صديقه، وهو أيضا مكانا مثاليا للتنفيس عن غضبه، ورغم ذلك، يبدو عادل ضئيلا بالمقارنة بالمبانى العالية المحيطة.

من مسلسل عين سحرية
واحدة من القواعد الدرامية المهمة لصنع صراعا قويا أن يكون خصم البطل أو عدوه أقوى من البطل ذاته، أو بمعنى آخر، يكون البطل ضئيلاً أما خصمه، والخصم فى "عين سحرية" يبدو مجهولا، حتى وان تجسّد فى أشخاص، لكنه سيظل قوّة مجهولة تحارب عادل ومن مثله.
القاهرة.. شاهدة أم فاعلة؟
هنا يبرز تساؤل مهم، هل القاهرة فاعلة، لأنها تضغط وتدفع وتبتلع وتسخر، أم أنها ليست خِصماً، لكنها شاهدة على الصراع، ومُحتضنة له؟
وتنقل مى التلمسانى فى كتابها "الحارة فى السينما المصرية" مقولة لـ بول كلى يقول فيها: "الفنان لا يصوّر المكان، إنما يخلقه وينتجه"، وفى "عين سحرية"، نحن أمام حالة من إعادة إنتاج للمدينة بتصور واضح ومختلف يخدم فلسفة العمل، بينما يتراجع هذا الدور فى "فخر الدلتا"، الذى اكتفى بمخاطبة القاهرة لترفق بذوى الأحلام، دون أن يصّور عُمقها الداخلى.
القاهرة، مدينة واسعة، ومع ذلك، فالبعض يضيق ذرعا بها، إذ يقول الناقد محمود قاسم فى كتابه "المدينة والفيلم": "والمدينة رغم اتساعها الملحوظ من أعلى، تظل بمثابة مكان ضيّق على سكّانها، لا يخرجون من الأُطر الضيّقة لهذا المدينة إلا فى أقل الحدود"، وهو ما ينعكس بشكل أو بآخر على البطلين، عادل وفخر.
ولعل الكلمات التى كتبها الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، فى قصيدته "دواير" تعبر عن معارك المُهمشين مع القوى الخفية، تحت مرأى ومسمع القاهرة حينما قال: طيور الفجر تايهة فى عتمة المدينة.. بتدور.. ساكنين فى عالم يعشق الخطر.. فيه الطيور تهرب من الشجر.. وتهرب النجوم من القمر.. وتهرب الوجوه من الصور.. ساعات نشوف فى العتمة.. وساعات نتوه فى النور.. ساعات عيوننا بالأسى تفرح.. وساعات فى ساعة الفرح ننوح.. مفيش غير إننا بندور".