تقوم حركة الحياة على نظام دقيق من المنع والعطاء، ومن الزيادة والنقصان، ومن الضيق والانفراج، فليس في الكون شيء ثابت على حاله، فالأرزاق تتحرك والقلوب تتقلب، والأيام دول بين الناس، ومن هنا يتجلى المعنى العميق لاسمَي الله "القابض" و"الباسط"، وهما اسمان لا يظهر جمالهما إلا معًا، لأنهما يشرحان طبيعة العلاقة بين الإنسان وربه، ويكشفان حكمة التدبير الإلهي الذي يجمع بين المنع والفضل، وبين الضيق والرحمة.
لم يرد "القابض" و"الباسط" كاسمين صريحين في القرآن الكريم، لكن ورد فعلهما في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى، "وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ" (البقرة: 245)، وقوله سبحانه: "اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ" (الرعد: 26). وهذه الآيات تشير إلى المعنى الإلهي الذي يتصرف في تقدير الأرزاق والأنفس والأحوال.
أما ورودهما في السنة، ففي رواية الترمذي لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن تعداد الأسماء الحسنى، حيث جاء ذكر "القابض الباسط" ضمن سرد الأسماء بعد قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا…" (سنن الترمذي، كتاب الدعوات).
وتذكر كتب اللغة، ومنها "لسان العرب" و"تهذيب اللغة"، أن، القَبْض: الأخذ والتَّقليل، ويأتي بمعنى التَّحجِير والتضييق، والبَسْط: النشر والتوسعة، ويُستعمل مجازًا في معاني الكرم، والزيادة، والفرج، وفي "المفردات" للراغب الأصفهاني، "القبض والبسط يستعملان في المعاني المعنوية: كقبض الرزق وبسطه، وقبض القلب وبسطه".
أما عند أهل التفسير، فيرى الطبري في تفسير قوله تعالى "والله يقبض ويبسط" أن القبض يكون بمنع الرزق، أو بتقديره، أو بحبس النفس عند الموت، بينما البسط يكون بتوسعة الأرزاق والقلوب والعلم، أما ابن كثير فيقول: "هو المتصرف في عباده، إن شاء ضيق، وإن شاء وسع، بحكمته وعدله وفضله"، وينقل عن السلف أن القبض والبسط يجريان على الأرواح كما يجريان على الأرزاق.
ووضع السعدي خلاصة جامعة فقال، "القابض: الذي يقدر على عباده أقدارًا فيها لطفه، والباسط، الذي يوسع عليهم من فضله، فيوالي على عبده القبض والبسط حتى يكتمل قلبه، فلا يطغى عند النعمة ولا يجزع عند الشدة."
أما القابض الباسط عند علماء العقيدة والتصوف، فقد جاء في "المقصد الأسنى" للغزالي أن "القابض" هو الذي يضيق على عبد ما فيه هلاكه لو بُسط له، وأن "الباسط" هو الذي يفتح له أبواب الخير التي تقرّبه منه، ويضيف الغزالي أن العبد لا يفهم حقيقة هذين الاسمين إلا إذا نظر إلى أن منع الله عطاء، كما أن عطاؤه منع، بحسب ما يصلح النفس، أما ابن القيم فيقرر في "بدائع الفوائد" أن القبض والبسط يجريان على القلب، فمن علامات القبض، الانكماش، والضيق، وتعذر اللذة بالطاعة، ومن علامات البسط: الانشراح، والقوة، والإقبال على العبادة، وهو يرى أن تداخلهما هو سر التربية الإلهية التي توازن نفس المؤمن.
وفي حياتنا يتعامل الإنسان مع القبض والبسط من زاويتين، قبض الرزق: حين يقل المال، أو تخف الفرص، أو ينسحب شيء كان يعتمد عليه، وقبض القلب: حين يشعر بثقل داخلي، أو ضيق لا يعرف سببه، وبسط الرزق: حين تفتح الدنيا بابًا لم يحتسبه، وبسط الروح: حين يشعر بالطمأنينة والسكينة دون سبب ظاهر.
والعجيب أن التجربة الإنسانية نفسها تشهد أن كل قبض يحمل في داخله بذرة بسط قادم، وكل بسط قد يُبتلى الإنسان به إذا لم يحسن التعامل معه، ولهذا جاء في الحكمة: "من عرف الله في القبض والبسط استراح قلبه."
ويحمل هذان الاسمان رسالة واضحة، هي أن الله وحده المدبر، يمنع ليحفظ، ويعطي ليُربي، يضيق ليعلم، ويوسع ليختبر، والقبض ليس علامة غضب بالضرورة، والبسط ليس علامة رضا دائمًا، إنما كلاهما بابان من أبواب التربية، ولذلك فإن المؤمن يتعلم من الاسمين ثلاثة أمور، التوازن فيطغى عند السعة، ولا ينكسر عند الضيق، اليقين بأن الحركة من قبض إلى بسط ومن بسط إلى قبض جزء من سنن الله في الأرض، الطمأنينة بأن اليد التي تقبض هي نفسها اليد التي تبسط، فلا خوف من المنع ولا غرور عند العطاء.