أحمد إبراهيم الشريف

اسم الله الواسع

الإثنين، 23 فبراير 2026 08:43 ص


حين يضيق صدر الإنسان بتقلبات الحياة، ويشعر أن الأبواب كلها قد أغلقت في وجهه، يحتاج أن يتذكر أن ضيقه ليس هو مقياس الكون، وأن فوق حدود طاقته المحدودة إلهًا "واسعًا" لا تضيق خزائنه، ولا تنفد رحمته، ولا تحاط حكمته، من هنا يجيء اسم الله "الواسع" بوصفه اسمًا يفتح في قلب المؤمن نافذة على الفضل الذي لا ينتهي، وعلى الرحمة التي لا تحد، وعلى السعة التي تحتضن الوجود كله، سعة علم، وسعة قدرة، وسعة رحمة.

ورد اسم الله "الواسع" في القرآن الكريم صريحًا مقترنًا غالبًا باسم "العليم"، في سياقات تتعلق بالرزق، والشرع، والإنفاق، والعفو، من ذلك مثلًا "وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 115) في سياق الحديث عن جهة الصلاة وملك الله للمشارق والمغارب، "يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ… وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (البقرة: 269–270–271) في سياق الإنفاق والإحسان، لتطمين المنفِق أن الله واسع الفضل، يعوض ولا تنقص خزائنه، "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 268)، "يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" تتكرر معاني السَّعة هنا وإن لم يُذكر الاسم لفظًا، لأن بسط الرزق من آثار "سَعَة" الله، "وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ۚ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ۚ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ"، (التوبة: 59)، ومعنى الفضل هنا داخل في باب السعة.

اسم الله الواسع في السنة النبوية، يذكر أهل الحديث أن اسم "الواسع" يرد ضمن رواية تعداد الأسماء الحسنى في سنن الترمذي، في الحديث المشهور، "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا"، كما ورد في بعض الأحاديث وصف الله بالسعة مقترنة بالمغفرة والرحمة، مثل معاني: "إن الله واسع المغفرة"، وإن اختلفت ألفاظ الروايات بين الكتب.

اسم الله الواسع في اللغة، في اللغة، مادة (و س ع) تدور حول السعة ضد الضيق، والقدرة على الاحتمال والاحتواء، في "لسان العرب" لابن منظور، يُذكر أن الوَسْع والسَّعَة تدل على السَّعة في الطاقة: "لا يُكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها" (البقرة: 286)، أي مقدار ما تستطيع، السَّعة في الغنى والفضل: يُقال "رجل واسع" أي واسع المال أو واسع الحيلة، السَّعة في المكان: ضد الضيق، وفي كتب اللغة الأخرى يرد أن "الواسع" هو الذي اتسع لكل شيء علمًا وقدرةً، واتسع فضله ورحمته لعباده.

اسم الله الواسع عند المفسرين، يفسر ابن جرير الطبري، "الواسع" بأنه واسع الفضل على عباده، يغني من يشاء، ويهب من يشاء، ولا يتعاظمه عطاء، مع سعة علمه بكل نفقة وبكل نية، وابن كثير، يربط بين "الواسع" و"العليم" في الآيات، فيرى أن الله واسع العطاء، واسع الرحمة، واسع المغفرة، يعلم مواضع فضله فيضعه حيث يشاء، ويقرر عبد الرحمن السعدي في تفسيره أن الواسع "هو الذي وسعت رحمته كل شيء، ووسع غناه جميع المخلوقات، ووسِع علمه كل معلوم، فكل ما في الكون من رزقٍ وهدايةٍ وتوفيقٍ وسترٍ ومغفرةٍ فهو من آثار سَعَته سبحانه"، وبهذا تتكامل دلالات الاسم عند أهل التفسير، سعة علم، سعة رحمة، سعة رزق، سعة عطاء، وسعة شرعٍ وحُكم.

"اسم الله الواسع في كتب العقيدة والتصوف، يتوقف العلماء عند هذا الاسم ليبيّنوا أن سعته ليست مجرد كثرة، بل كمال لا حد له، يذكر أبو حامد الغزالي في "المقصد الأسنى" أن "الواسع" هو: من لا تنحصر أفعاله في نوع، ولا نعمُه في عدد، ولا معاني كماله في حد، وسعت ذاته وصفاته وأفعاله كل ما يمكن أن يُتصوَّر من كمال، ويُجمِل علماء العقيدة معاني "الواسع" في نقاط، من أهمها، سَعَة الذات، فالله تعالى غير محدود، ليس كمثله شيء، ولا يحيط به مكان ولا زمان، سَعَة الصفات،  علم لا يحدّه معلوم، قدرة لا يعجزها شيء، رحمة لا تنقطع، وحكمة لا يُدرَك مداها، سَعَة الأفعال والآثار: تنوّع الخلق، وكثرة النِّعَم الظاهرة والباطنة، واستمرار الإيجاد والإمداد.

وعليه فإن اسم "الواسع" ليس مجرد مفهوم نظري، بل هو اسم ملتصق بحياة الإنسان اليومية، في لحظات ضيق الرزق حين يخاف الإنسان الفقر، ويعجز عن تدبير قوته، يجيء اسم "الواسع" ليقول له، إن خزائن الله لا تنفد، وإن ما عند الله أوسع مما تراه عيناك، وإن ضيق اليوم لا يلغي سعة الغد، وأن الأرزاق ليست محصورة في باب واحد، وفي لحظات ضيق النفس والهم، تضيق النفس أحيانًا بالقلق والخوف والذنب، فيُذكِّره هذا الاسم أن سعة مغفرة الله ورحمته أكبر من خطاياه وأوسع من تعبه، ما دام راجعًا منيبًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة