تحلّ اليوم الذكرى الـ238 لميلاد الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، الذي وُلد في مدينة غدانسك في 22 فبراير 1788، وأمضى سنواته الأخيرة في فرانكفورت بعد حياة حفلت بخيبات عاطفية ومهنية، تركت أثرًا واضحًا في رؤيته الفلسفية للعالم.
لم يكن تشاؤم شوبنهاور مجرد نزعة نفسية عابرة، بل تحوّل إلى بناء فكري متكامل. فقد اتجه إلى دراسة تعاليم بوذا والفلسفات الهندية، حيث تعمّق اقتناعه بأن الحياة في جوهرها معاناة، وأن الألم والمرض والشيخوخة والموت ليست استثناءات، بل هي القاعدة.
في فلسفته، تحتل “الإرادة” موقعًا مركزيًا، باعتبارها القوة العمياء التي تحرّك الإنسان وسائر الكائنات. ومن هنا أعطى شوبنهاور الدافع الجنسي مكانة محورية، ورأى فيه التعبير الأوضح عن إرادة الحياة، والمفتاح الذي يمكن من خلاله تفسير السلوك الإنساني في مختلف تجلياته.
وقد وصفه البروفيسور توماس وايتاكير بأنه “أعظم متشائم في العصور الحديثة”، إذ اعتبر شوبنهاور أن الحياة أصلها ألم وحرمان، وأن السعادة ليست سوى لحظة عابرة وسلبية، سرعان ما يعقبها ملل أو خيبة. بل ذهب إلى أن ازدياد وعي الإنسان وذكائه يضاعف شعوره بالألم، بينما يقل هذا الشعور لدى من يعيشون في بساطة أو غفلة.
وفي سياق تطور الفكر الأوروبي، أثّرت رؤيته في فلاسفة لاحقين، أبرزهم فريدريش نيتشه، الذي طرح لاحقًا مقولته الشهيرة حول “موت الإله”، معبرًا عن تحوّل جذري في فهم الإنسان لمكانته في الكون. وقد خشي نيتشه أن يقود هذا الفهم إلى العدمية والإرادة إلى العدم، وهو ما حاول تجاوزه بفلسفة تؤكد الحياة بدل الاستسلام للتشاؤم.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا في ذكرى ميلاد شوبنهاور: هل كان التشاؤم عنده مزاجًا شخصيًا صاغته الخيبات، أم فلسفة متكاملة حاولت أن تكشف الوجه القاسي للحياة بلا أقنعة؟