نجح علماء في تطوير أساليب مبتكرة لإعادة ابتكار العطور التي كانت تستخدم في عمليات التحنيط بمصر القديمة، وهو تقدم علمي مذهل يمهد الطريق لتجارب متحفية "متعددة الحواس" في المستقبل.
ثورة في الكيمياء الأثرية
أدت التطورات المتلاحقة في علم الآثار إلى ظهور تقنيات متقدمة لدراسة الحمض النووي القديم والبروتينات، مما كشف عن رؤى جديدة حول الأنظمة الغذائية، والأمراض، والممارسات الطقوسية الغامضة، ومؤخراً طور الباحثون أدوات محسنة لدراسة "المركبات العضوية المتطايرة" (VOCs)، وهي جزيئات تملك القدرة على فك شفرات العطور القديمة.
ويؤكد علماء من معهد "ماكس بلانك" في ألمانيا أن إعادة إنتاج هذه الروائح توفر رؤية غير مسبوقة لتاريخ صناعة العطور، والطب، والطقوس اليومية في الماضي السحيق.
بطاقات ومحطات عطرية
تصف الدراسة ابتكارين جديدين للمتاحف: "البطاقات المعطرة" و "محطات العطر الثابتة"، والتي تُعرض إلى جانب المومياوات لفتح بُعد جديد لفهم أسرار الحفظ القديمة، وتتوفر هذه البطاقات حالياً للزوار في متحف "أوغست كيستنر" بهانوفر الألمانية، ضمن جولات بعنوان "رائحة الحياة الآخرة".
استلهمت هذه الروائح من تحليل بقايا أربع جرار كانوبية تخص السيدة النبيلة "سينتناي"، مرضعة الفرعون أمنحتب الثاني (حوالي 1450 قبل الميلاد)، لإعادة تركيب هذه العطور، طور العلماء تركيبات معقدة يحتوي كل منها على 20 مكوناً، ناتجة عن تعاون مكثف بين خبراء العطور، وعلماء الكيمياء، وخبراء التراث. وأوضح الباحثون أن المواد الأصلية تعود لآلاف السنين، لذا كان من الضروري إيجاد "مكافئات شمية حديثة" تكون آمنة للاستخدام العام ومطابقة للنتائج العلمية.
وتؤكد هذه العملية أن المواد الخام المتاحة اليوم تختلف عما كان يُستخدم قديماً، مما يتطلب دقة عالية في اختيار البدائل لالتقاط عبق الماضي بأكبر قدر ممكن من الأمان والدقة.
يرى أمينا المتحف، كريستيان لوبين وأولريك دوبيل، أن هذا العطر يقدم نهجاً جديداً للتعامل مع المومياوات؛ حيث يساعد الزوار على الابتعاد عن "عامل الخوف" وصور أفلام الرعب التقليدية، ليتجهوا نحو تقدير الدوافع العميقة والنتائج الروحية المرجوة من عملية التحنيط.
جدير بالذكر أنه تم تركيب محطة عطرية مماثلة في معرض "مصر القديمة - مهووسة بالحياة" بمتحف "مويسجارد" في الدنمارك، لتمنح الزوار فرصة فريدة لشم "رائحة التاريخ".