لا يمكن لزائرٍ للشرق الأوسط، أو متذوق لفنون الطهي العربي، أن يغفل عن ذلك الطبق الدافئ الذي يتربع على عرش الحلويات الشرقية، "أم علي"، فهذا الصنف لا يمثل مجرد مزيج من الحليب والرقائق، بل هو تجسيد لقصة بدأت بصراع على السلطة في أروقة القصور المملوكية بمصر قبل قرون، لتنتهي بمذاق فريد استطاع أن يوحد الأذواق عبر الأجيال، ويتحول من "طبق احتفالي" بالسيادة إلى رمز عالمي للكرم والضيافة.
وتكمن قوة "أم علي" في تماسك بنيتها وتناغم مكوناتها، فهي تعتمد على "البساطة الفاخرة"، حيث تلتقي رقائق العجين بالحليب الساخن المشبع بالسكر، لتمتص تلك الرقائق السائل وتتحول إلى قوام مخملي يذوب في الفم.
وما يمنح هذا الطبق طابعه الملكي هو طبقة القشطة التي تحمر تحت حرارة الفرن، لتخفي تحتها المكسرات المقرمشة والزبيب، مما يخلق توازناً بين الليونة والقرمشة، والدفء والسكينة.
وعلى مر العصور، أثبتت "أم علي" مرونة فائقة في التكيف مع المطابخ العالمية دون أن تفقد هويتها الأصلية، فبينما يفضل البعض إعدادها بالطريقة التقليدية باستخدام "الرقاق" المصري، ذهب الطهاة المعاصرون إلى استخدام "الكرواسون" الفرنسي أو "الميل فوي" لإضفاء لمسة من الدسامة العصرية.
هذا التطور جعل منها طبقاً عابراً للحدود، يقدم في أفخم الفنادق العالمية كخيار أول للتحلية التي تمنح الطاقة والدفء، خاصة في ليالي الشتاء الباردة، مما يعزز مكانتها كإرث ثقافي حي يتطور ولا يندثر.
يظل سر استمرار "أم علي" هو قدرتها على استحضار الحنين؛ فهي ليست مجرد حلوى، بل هي ذاكرة جماعية مرتبطة بلمة العائلة والمناسبات السعيدة، إنها ذلك الطبق الذي يثبت دائماً أن المطبخ العربي قادر على تحويل الحكايات التاريخية المعقدة إلى تجربة تذوق بسيطة وملهمة، تجبرك مع كل ملعقة على تقدير هذا الإرث الذي صمد طويلاً أمام اختبار الزمن.