في مدينة العريش، وعلى مقربة من زرقة البحر تتشكل تجربة فنية وإنسانية فريدة من نوعها، حيث يجتمع شباب وأطفال حول أواني الفخار ليحولوا أوقات فراغهم إلى لوحات تنبض بالألوان وروح شهر رمضان.
المبادرة التي بدأت بخطوات بسيطة تحولت اليوم إلى مساحة إبداعية تجمع بين الفن والدعم النفسي والعمل المجتمعي، لتؤكد أن الفكرة الصغيرة قد تصنع أثرًا كبيرًا حين تجد من يؤمن بها.
فكرة بدأت بخطوة صغيرة وانتشرت عبر السوشيال ميديا
اقتربت اليوم السابع من هذه المبادرة فى لقاء مع شيماء عبد الحكم إحدى مؤسسي الفكرة، والتي رأت أن أوقات الفراغ لدى الأطفال والشباب يمكن أن تتحول إلى فرصة للتعلم والتعبير بدلًا من أن تضيع في مسارات سلبية.
وتقول شيماء إن البداية كانت متواضعة للغاية؛ جلسات محدودة لتعليم أساسيات الرسم على الفخار داخل نطاق ضيق، لكن الشغف سرعان ما جذب مزيدًا من المشاركين.
وتوضح أن الفكرة تطورت تدريجيًا، فمع نشر صور الأعمال الفنية على منصات التواصل الاجتماعي، لاقت المبادرة رواجًا واسعًا، وبدأ الإقبال يتزايد من مختلف الفئات العمرية.
أجواء رمضانية تتجسد على الفخار
مع حلول شهر رمضان، اتخذت الورش طابعًا روحانيًا مميزًا. تتزين الأواني الفخارية برسومات الفوانيس المضيئة، والأهلة المتلألئة، والزخارف الإسلامية الدقيقة، إلى جانب عبارات مثل “رمضان كريم” و“أهلاً رمضان”.
الأطفال يرسمون بعفوية مبهجة، بينما يحرص الشباب على إدخال تفاصيل دقيقة وتدرجات لونية تضفي عمقًا على التصميم، ويؤكد المشاركون أن الرسم يمنحهم فرصة للتأمل والهدوء، ويجعلهم يعيشون أجواء رمضان بروح مختلفة، تمتزج فيها العبادة بالفن، والتراث بالإبداع المعاصر.
مشاركة جامعية تعزز روح الانتماء
المبادرة لم تقتصر على الأطفال، بل جذبت أيضًا طلابًا من جامعة العريش وجامعة سيناء، الذين وجدوا فيها متنفسًا من ضغوط الدراسة وفرصة لاكتشاف مواهبهم الفنية.
زياد، طالب في جامعة سيناء، يؤكد أنه يحرص على الحضور بانتظام لاستثمار أوقات فراغه بعيدًا عن السلبيات، موضحًا أن البيئة المحيطة بالمكان تضيف بعدًا خاصًا للتجربة، خاصة أنه مطل على البحر.
ويقول إن صوت الأمواج مع الألوان والضحكات يخلق حالة من الصفاء الذهني تساعده على التركيز والإبداع.
وأضاف زياد أنه يدعو زملاءه دائمًا لتجربة هذه الورش، معتبرًا أنها نموذج عملي لكيف يمكن للشباب توجيه طاقتهم نحو أنشطة مفيدة تعزز مهاراتهم وتبني شخصياتهم.
ويرى أن المشاركة لا تقتصر على تعلم الرسم، بل تمتد إلى تكوين صداقات جديدة والشعور بالانتماء لمجتمع داعم.
شهادة إحدى الرواد… تأمل وراحة نفسية
إحدى رواد المكان أكدت أنها تحرص على الحضور بانتظام، حيث تقضي أكثر من ساعتين في التأمل أمام البحر قبل وأثناء الرسم على الأواني الفخارية. وتوضح أن تلك اللحظات تمنحها صفاءً ذهنيًا كبيرًا، إذ تمتزج أصوات الأمواج بحركة الفرشاة فوق الطين، في مشهد يمنحها شعورًا بالسكينة.
وأضافت أنها في نهاية كل ورشة تأخذ معها القطعة التي رسمتها كتذكار خاص يحتفظ بلحظة من الهدوء والإبداع. وتشعر بنوع من الراحة والرضا الداخلي عندما تنظر إلى ما أنجزته بيديها، معتبرة أن التجربة تتجاوز مجرد نشاط فني، لتصبح طقسًا شخصيًا يعيد إليها توازنها النفسي.
بعد إنسانى ومشاركة شبابية من فلسطين
من الجوانب المؤثرة في هذه المبادرة مشاركة عدد من الشباب الفلسطينيين المقيمين في مدينة العريش أثناء تلقيهم العلاج في مستشفياتها، هؤلاء الشباب وجدوا في ورش الرسم مساحة آمنة للتعبير والتخفيف من ضغوط المرض والغربة.
يجلسون إلى جوار أقرانهم من أبناء المدينة، يتبادلون الأحاديث والتجارب، ويرسمون بألوان زاهية تعكس الأمل رغم التحديات. وأكد بعضهم أنهم يشعرون براحة نفسية كبيرة خلال المشاركة، إذ يمنحهم الرسم فرصة للانشغال بشيء إيجابي يخفف عنهم التوتر ويعزز شعورهم بالاندماج المجتمعي.
الفن كوسيلة للدعم النفسي وبناء الثقة
تشير شيماء إلى أن الهدف الأساسي من المبادرة إنساني قبل أن يكون فنيًا. فالرسم على الفخار يساعد الأطفال على تنمية مهارات التركيز والصبر والدقة، كما يمنحهم شعورًا بالفخر عند إتمام قطعة فنية متكاملة.
أما الشباب، فيجدون في الورش مساحة للتفريغ النفسي بعيدًا عن الضغوط اليومية. الألوان الزاهية، وروح التعاون، وإطلالة البحر، كلها عناصر تخلق بيئة إيجابية تسهم في تحسين الحالة المعنوية للمشاركين. وقد لاحظ القائمون على المبادرة تحسنًا واضحًا في ثقة الأطفال بأنفسهم، وتزايدًا في رغبة الشباب بالمشاركة والتطوع.
إحياء التراث بروح معاصرة
وأضافت شيماء ان المبادرة تحمل بُعدًا ثقافيًا مهمًا يتمثل في إحياء فن الرسم على الفخار، أحد أقدم الحرف المرتبطة بالبيئة المصرية. إلا أن ما يميز تجربة العريش هو المزج بين هذا التراث العريق وأدوات العصر الحديث، سواء عبر تصميمات مبتكرة أو من خلال الترويج الرقمي للأعمال الفنية.
هذا التفاعل بين الماضي والحاضر منح المبادرة طابعًا خاصًا، وجعل من الفخار مادة فنية قادرة على التطور والاستمرار، بدلًا من أن تبقى حرفة تقليدية محدودة الانتشار.
طموحات مستقبلية
وعن تطلعاتهم تحدث الشباب المبادرين علي تمنياتهم إلى توسيع نطاق المبادرة من خلال تنظيم معارض لعرض وبيع الأعمال الفنية، بما يتيح للمشاركين فرصة لتحويل هوايتهم إلى مصدر دخل مستقبلي. كما تسعى إلى استضافة فنانين متخصصين لتقديم ورش تدريب متقدمة، وتوسيع قاعدة المشاركين لتشمل فئات عمرية أكبر.
وترى أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد القطع المرسومة، بل بالأثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه هذه التجربة في نفوس المشاركين، وبقدرتها على خلق مساحة أمل في مدينة عانت طويلًا من التحديات.
في العريش، لم تعد أواني الفخار مجرد قطع طينية صامتة، بل تحولت إلى رسائل ملونة تحمل روح رمضان، وتعكس قوة الفن في توحيد القلوب. وبين هدير البحر ولمعان الألوان، يثبت هؤلاء الشباب والأطفال أن الإبداع يمكن أن يكون جسرًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا وإنسانية.
ورشة عمل
يعملون بحب وشغف في الرسم

علي شاطيء العريش يقوم شباب المبادرة بالرسم

الصغار والكبار يمارسون هوايتهم بالرسم