محمود عبد الراضى

بين "شنطة السفر" و"صندوق الخشب".. 15 عاماً من كفاح محمود نصر

الأربعاء، 18 فبراير 2026 09:40 ص


منذ خمسة عشر عاماً، شقت سيارة قادمة من أقصى جنوب الصعيد، وتحديداً من قلب محافظة قنا، طريقها نحو العاصمة، كان يستقلها شاب أسمر الملامح، نحيف الجسد، لكنه يحمل في جعبته أحلاماً تضاهي في شموخها جبال الصعيد.

كان محمود نصر يخطو خطواته الأولى في القاهرة، يبحث عن مكان تحت الشمس في مهنة البحث عن المتاعب، واختار بقلب جسور قسم الحوادث بجريدة اليوم السابع ليبدأ منه رحلة الألف ميل.

واليوم، وبعد عقد ونصف من الزمان، وقفتُ في نفس القاهرة، لكن أمام مشهد يمزق نياط القلب، السيارة ذاتها تتحرك، لكنها هذه المرة لا تحمل أحلاماً بل تحمل جثماناً، ولا يقودها الأمل بل يسوقها الحزن في رحلة العودة النهائية إلى مسقط الرأس، ليدفن محمود في التراب الذي نبت منه، مخلفاً وراءه دموعاً لا تجف وصدمة هزت أركان الوسط الصحفي.

وقفتُ مستنداً بظهري إلى حائط المستشفى البارد، وعيني تراقب السيارة وهي تغادر متجهة صوب الجنوب، وكأن شريط الذكريات يمر أمام عيني في عرض سينمائي حزين.

تذكرت محمود حين جاءنا متدرباً، كان كالشعلة التي لا تنطفئ، يكاد يطير فوق الأرض من فرط النشاط والدأب، كنا نستغرب جلوسه لساعات طوال، لا يمل ولا يكل، لا ينظر إلى ساعة الحائط بل ينظر إلى جودة الخبر وانفراد المعلومة.

أصبح محمود نصر في وقت قياسي رقماً صعباً في معادلة صحافة الحوادث، يقاسمنا الانفرادات، ويفجر القضايا، ويسابق الريح ليقدم عمله قبل الجميع، كان طرازه فريداً، يجمع بين أدب الأزهريين وشهامة أبناء الأصول وعزيمة المقاتلين.

وفي خضم تلك الرحلة المهنية، كانت الأقدار تنسج قصة حب من نوع خاص، حين انضمت الزميلة أسماء شلبي، القادمة هي الأخرى من صعيد مصر وتحديداً سوهاج، لتشارك محمود نفس الشغف ونفس القسم.

وسرعان ما توجت هذه الزمالة بزواج كان حديث الجميع، وأثمرت تلك الزيجة عن قطعة من روحهما وهو ابنهما الوحيد "آدم".

ومن منا ينسى آدم وهو يركض بين مكاتب الزملاء، يداعب هذا ويمازح ذاك بخفة ظل ورثها عن أبيه، ليصبح الطفل تميمة حظ صالة التحرير التي شهدت قصة حب كفاح والديه.


رحل محمود نصر في أيام مباركة، ونحن نستعد لاستقبال شهر رمضان الكريم، وكأنه أراد أن يكون صومه في جنات الخلد.

قاوم المرض الخبيث برضا وصبر لا يملكه إلا مؤمن بقضاء الله وقدره، لم يشتكِ ولم يتأفف، بل ظل محتفظاً بابتسامته التي كانت تدخل القلوب دون استئذان.

كان وقوراً في تعامله، هادئاً في طباعه، لكنه كان عظيماً في أثره. لم تكن الصحافة بالنسبة له مجرد مهنة، بل كانت رسالة شرف أداها على أكمل وجه حتى الرمق الأخير.


عزيزي محمود، يؤلمنا جداً أننا لن نراك تسبقنا كل صباح إلى صالة التحرير، ولن نسمع ضحكتك التي كانت تهون علينا مشقة العمل تحت ضغط الحوادث والقضايا.

لقد غادرتنا جسداً، لكنك تركت سيرة طيبة ومحبة في قلوبنا لن تمحوها السنون، أنت الآن في مكان أفضل، بعيداً عن صخب الدنيا وأوجاع المرض، فالعظماء لا يموتون في قلوب محبيهم، وأنت كنت عظيماً بأخلاقك وفنك الصحفي وأصلك الطيب.

وداعاً يا رفيق الدرب، وموعدنا معك في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، حيث لا وجع ولا حزن ولا فراق.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة