هل تعلمت أو تألمت أو ضاقت بك الحياة ذات مساء؟ ...وكيف كنت تعيش دوني قبل أن تراني؟ هل حلمت بي؟ تمنيت أن أقابلك يوما ما؟
_ لعلك يا عزيزتي لا تعرفين من الحياة إلا أقل القليل، فالحياة لا تعطينا الفرصة كي نختار، إنها تجبرنا على الحياة، دون أن يكون لنا خيار، حتى بين اثنين، ناهيك عن الكثير، إنها تجبرنا في أقل الأشياء، قد تخدعنا بأن ما نفعله من صنع أيدينا، من وحي خيالنا، إنها تصنعنا على هيئة معينة، وتزودنا بما يجب، وما لا يجب، ثم تقول لنا أنه خيارنا، تلقي بنا في ناحية ما من الأرض، لأب وأم، ومحيط وعادات وتقاليد، تجرنا جرا إلى خطط مسبقة، ثم هي تحاسبنا على الاختيار، الذي نٌساق إليه ربما تغير الصدفة بعض مجريات الأمور، ولكنها تغيرات طفيفة، هي أيضا ليست من صنع أيدينا، ولكنها الصدفة، هي التي بدلت وغيرت إننا قشة تحملها رياح لا قوة لنا بمجابهتها أو الوقوف في وجهها، تحملنا إلى بلاد وأراضي ومواقف لا نملك حتى قول لا، فيما تقودنا إليه ...
.. إنك متشائم، يائس من شيء، هو الذي يجعلك تقول ما تقول، فأنا الأن حرة فيما أفعل، حرة حين قابلتك، حين أحببتك، حين ألتقينا عند ذلك الجسر، وألتقت عيني بعينك للمرة الأولى، قرأت في هذه اللحظة في عينيك ما لا تخبرني به كلمات العالم بكل ما فيه من أحرف، إن الجسر شاهد على كلينا، ألم تقول لي إنها ليست صدفة، وإنما أرادت الأقدار أن نلتقي وجها لوجه، بعد أن ألتقت أروحنا في عالم آخر ..
_لعل هذا يؤكد لك أننا لم نلتقي بخيار منا، وإنما أرادت الأقدار أن نجتمع، نلتقي على وصل، فلو كنت أنا أو أنت في زمن أخر، لقابلتي غيري، ولقابلت غيرك، إن الحياة تريد ذلك، أن تجعل فيها من النبض ما يكفر عن شقاء ما تلقي بهم في أركانها المحترقة ....
..لماذا لا نعيش زماننا، دون أن نتسآل، نعيش اللحظة التي نحن فيها، نسكب فيها ما تحمله جوانحنا بلا سؤال ينغص علينا تلك الحياة والأيام، لماذا نحفر في طريق سعادتنا خنادق، نقع فيها ونلتصق بطين الأيام، يعكر علينا صفو السعادة، التي نتمناها ونسعى إليها دون أن نجتر أحزان، ربما كانت أوهام تطاردنا، أو شياطين تترصد خطنا، لتغير طريقنا، ألا يكفي أن الحياة يوما ما سوف تنتهي بنا إلى الموت والفناء، إلى أن نتحلل، ونصبح ذكرى، ربما لا يتذكرها أحد، أنا أريد من الحياة أيامي أحياها معك، أرقب المساء، حين تأتي، لننعم بسكونه، لنطفأ غلة السعير، بكلمات من فمك أستعيد بها القوة، التي تجعلني أسحق ذلك الخوف، الذي يعتريني، حين أفكر أن اليوم يمضي، وأنا أنتظر الغد المجهول ....
_لعلك محقة فيما تقولين؟ فالحياة طريق وعر وشاق، ولو لم نتكاتف في السير فيه لأهلكتنا في تيهه، وبلا رفيق نستند إليه، وأنت ذلك الرفيق، الذي تعاون على سلوكه سويا، يتكأ كل منا على الأخر، حتى نصل إلى نهايته، ولا شيء أثمن من الحب، يخفف عنا ما قد يصبنا من أهواله ومصاعبه، سامحيني فيما قلت، غير أن هذه الأفكار كثيرا ما تراود خاطري، وتهجم على عقلي، فتكدر صفو اليالي، وتجعل مني ذلك الرجل الجامد ...
..حين تهاجمك تلك الأفكار تذكر أني هنا بجوارك، تذكر أن علينا أن نتجاز المخاطر سويا ...
_أنا لا أنساك، وربما كنت أنت سببا في أن أفكر في مثل هذه الأمور، فالسعادة التي أحظى بها بجوارك هي نفسها التي أخشى أن تزول وتمضي، وأن تنغصها مرارات الحياة، وقد عهدت نفسي فيما بيننا أن أحفظ لك ذلك الحب والسعادة، وألا أجعل شيء يكدر عليك سعادتك، وفي الأمور الكبرى، التي لا حيلة لي فيها، وأشعر بالعجز أمامها، هي التي لا أملك أن أف بوعدي، لأنها أشياء ليست مما يقاوم أو توقف، فنحن أمامها ضعفاء، لا نملك حتى أقل مقاومة، فإذا بها تسحقنا تحت أقدامها القوية، فلا تبتاسي إن راودنتي مثل هذه الأفكار، إنما هو الخوف أن تزول فتحزني.....
..لا نريد أن نستبق الأحداث فيما تفكر فيه، فنحن الاثنين معا الآن، ولا قوة في الأرض تستطيع أن تنتزع يدي من يدك، وقد ألتصقت قلوبنا من قبل، بذلك العهد الذي قطعناه على انفسنا، أترى بعد كل هذا من الممكن أن نفترق أو يبتعد كل منا عن الأخر؟ أظنك تخاف أوهام وخيالات لا دليل على وقوعها أو حتى الإقتراب منها.