هل ما نريده من الصيام إصلاح الجسد أم إصلاح الروح أم كليهما؟ فمن كان يريد به إصلاح الجسد فقط، فلا شك أنه يصلح بدن الإنسان، ويكتسب به صحة وجمال، ومن أراد به أن يكون خطوة في تربية روحه، ورياضة لها لترتقي وتسمو في معارج الإنسانية، ولا شك أن النية أساس وعامل قوي في الوصول إلى الهدف المبتغى، وهو وسيلة لمن أراد ان يكون لروحه الكلمة العليا على قيادة الجسد، وألا يكون فريسة سهلة لنزعاته وأهوائه، فالوقوف ضد متطلبات الجسد، ليست عقابا للإنسان، بالحرمان من الضروريات، التي يجب عليه أن يفعلها، لتحفظ عليه حياته من التلف والموت، إنما هي تربية له، عصا نشير بها لئلا يفسد أو ينغمس ويفرط في الاستجابة لمطالبه، فتهوي به إلى درجة العبادة، فيفعل ما تمليه عليه، وتستزيد من مطلبها فتغرقه في براثنها وعلائقها، ولا يقوى بعد ذلك على مخالفتها، فيطيع كأنما يطيع شرائع ودين، فتملي عليه شرائعها التي تحط من قدر الإنسان، وتهوي به إلى دركات الحيوانية، فهي بذلك تقوي الجانب الشهواني منه، ناسية ما للروح من مكانة، فما يتسع فيه من جانب الجسد، تمحو به من جانب الروح، حتى تنفيه عنه، ولا يبقى منه سوى ذلك الجانب الحيواني، الذي يعمل على تحقيق رغباته طواعية، بعد أن كانت قسرا، فضعف أمامها حتى صارت له محببة معشوقة، فلماذا لا يعالج الإنسان نفسه بالصيام، ويستنبت به إرادة تحميه من أن يهوي ويقع في فخ الشهوات، ولكن هل كل صيام يحمي الإنسان من الوقوع والانهيار أمام متطلبات الجسد؟ يجب أن يكون الصيام بوازع ديني ورغبة إيمانية قوية، تعزز ما يطمح إليه من قيادة الروح للجسد، ومن وجود مراقبة دائمة في العمل والتطبيق، فالصيام الذي نريده أن يكون درجة في سلم الوصول، لا الصيام الذي تنافق به نفسك والناس، لا الذي تباهي به الأخرين في الامتناع عن الطعام والشراب، ثم أنت الذي تفرط فيه وتتعشقه وتنفق الساعات في ملازمته وأفانينه، فليس سباق في محفل، إنما نريد صياما يضيف للإنسان، ويعلو بإنسانيته، لا من حيث الصيت والسمعة، إنما من حيث الروح، التي لا يعلم بها أحد إلا الله، فتكون بينك وبينه، ثم ترى الناس قبسا من ذلك الفيض في تعاملاتك ومعيشتك بين الناس، فتهذيب النفوس هي أثر واضح له، إن كان غايته إصلاح النفس، وأستعد لذلك، وأخذ أهبته لها، بنية صادقة، فليس لأنها عادة، بل لأنها رياضة، تشق بها طريقا إلى الروح، فليكن صيامنا دائما من أجل تعزيز أمرها وتمكينها وقيادتها، نرفع بها أكف الضراعة إلى الله، أن يرفع من إنسانيتنا، وأن يبصرنا بأنفسنا، وأن يكون صوت الروح أعلى من صوت الجسد.