في ذلك العالم لا يعيش الجميع بلا قضبان، يسجنون أنفسهم في ألم قديم، في حزن قريب، في كلمة نابية، في شعور، في أحلام، لم تتحقق، في أغنيات، في قصة، في كتاب، إنها سجون متعددة، سجون لا حصر لها، ينسج خيوطها عقل الإنسان ومشاعره، حتى تستحكم وتقضي على الفرحة، التي قد تولد في لحظات ما، إنها سجون عتيقة، مظلمة تحت أرض الواقع المميت، فلو إننا تفقدنا هذه السجون، لأعيتنا كثرتها من الإحصاء والأنواع، سجون تُلهم، وأخرى تلتهم، يعيش المرء بين حوائطها، وقد علا من باقي جسده المحترق دخان كثيف لا يراه أحد سواه، يرى نفسه وهي تحترق وتفنى أمامه، ولعله هو من أشعل فيها أعواد ثقابه، فهو من يضع قطرات النفط فوق جسده، لتشتعل، وكلما هدأت النار ألقى أخرى، ليشتعل جسده من جديد، كأنه أدمن الحزن، وألقى بعصاه، أمله في الخلاص على الأرض، لتكون حية عظيمة، تنهش منه أيامه، ويمضي لياليه في جزع وخوف، وكلما أنهى مدة سجنه، وخرج وبه رمق من حياة، كان من المفترض أن يكون بذرة يغرسها ويتعهدها بالرعاية، حتى تصير شجرة كبيرة، يستظل بها من هجير صيف الحياة ورياح الشتاء القاسية، ويقيم بيتا صغيرا بجوارها، ويدافع عن بقائه على قيد الحياة الجديدة، التي وهبت له، بعد أن أبتعث من جديد، خارج سجنه، الذي قضى فيه سنوات، ألتهمت فيه الجمال والنعيم، فهو على أبواب حياة أخرى، يجب أن يتمسك بها، ويجاهد في الدفاع عنها، فهي فرصة أخرى كل هذا قد يطرأ إلى ذهنه عند لحظات الخروج، لحظات أن يخطو خطوات قدميه، خارج محبسه، فإذا ما أبتعد قليلا، وجد قداماه تبحث عن سجن أخر، تسعى إليه، سجن من نوع جديد غير كل السجون، التي جربها من قبل، يجرب عذابا مختلفا وانتهاكات جديدة وأبالسة جحيم، لم يراهم في السجون التي مر عليها، إنه أعتاد الحبس، وأدمن حوائط المبكى، وصار قلبه لا يدق إلا على عزف، يمزق أنسجته الحية، فيشعر بالحياة والموت، يعيشان فيه ويدور حولهم ملبيا نداء الشقاء الأبدي ..........
إن الحياة سجن عظيم، لا نستطيع الإفلات منه، والخروج عن دائرته، له قضبان فولاذية، لا يقدر بني البشر على المساس به أو حتى ختشها ولو اجتمعوا في صعيد واحد وتكاتفوا عليها، لن تمنحهم غير ما تريد، وما قدرت لهم الأقدار، ولكننا نعيش أيضا في سجون أخرى، غير التي صنعت لنا الطبيعة، سجون نبنيها بأيدينا، ونجعلها أشد صلابة، ويعجز الأخرون عن كسرها أو الإقتراب منها، سجون نزخرفها ونزينها ونضع فيها خلاصة تجاربنا، نرصع حيطانها بالجوهر أحيانا أو نلطخها بدمائنا، نعلق فيها المشانق التي تحيط برقابنا، ونعذب أنفسنا أحيانا بالسوط، نقرع به ظهورنا، في الشتاء نتجمد من برودة ما نلقيه في تلك السجون من أرق وتعب ينغص وحدتنا.