الحب ليس مجرد كلمة تقال أو أبيات من قصيدة تُغنَّى، الحب له حقيقة مثل أي مشاعر نبيلة، وبدونها يتحول إلى مجرد قناع للتخفي من أجل بلوغ غاية ما ربما تكون مال أو جاه.
كم من القلوب كُسرت باسم الحب الزائف، وكم من البيوت تعرضت للخراب بسبب افتقاد المشاعر الصادقة التي يُفترض أن تجمع بين الزوج وزوجته، أو بين الأم وابنتها، أو بين الأب وصغاره.
لم ينقرض الحب الحقيقي من العالم، لكن بعض الحوادث الصادمة التي تقع بين فترة وأخرى تدق ناقوس الخطر وتنبه إلى ضرورة أن نعيد نشر ثقافة الحب، وأن نعتني بغرس البذور في الأرض الصالحة حتى تنبت.
أظن أننا في حاجة ماسة إلى التفكير في أن يسبق الزواج شكل من أشكال التأهيل النفسي والعاطفي للشبان والفتيان للتأكد من امتلاكهم القدرة على بناء أسر مستقرة، وأنهم يعرفون معنى الحب وتبعات الزواج.
لزيادة في حالات الطلاق التي تقع في أحيان كثيرة لأسباب سطحية، والشجار الذي يصل إلى حد مقتل شاب على يد زوجته بعد معركة بينهما بالأيدي بسبب شاحن الموبايل، كلها تشير إلى أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة تعريف الحب ونشر ثقافته، بل ووضع معايير للتأكد من وجوده قبل أن يقترن شاب بفتاة.
على الحلوة والمرة
لو وُجد أدنى قدر من المودة والرحمة بين الزوجين لاختفت الكثير من المشاكل الأسرية التي نسمع عنها الآن. مؤكد أن الحياة الزوجية في ظل المصاعب والضغوط التي تحيط بنا من كل جانب لن تكون نعيمًا، لكننا أيضًا لا يجب أن نقبل بتحولها إلى جحيم بسبب فقدان الحب الصادق.
علينا هنا أن نذكر بأن الآباء والأجداد لم يحدثهم أحد عن الحب، لكنهم مارسوه، صانوا العشرة وعاشوا مع بعضهم البعض على الحلوة والمُرَّة حتى أن من بقي على قيد الحياة عاش على ذكرى من سبقه إلى لقاء ربه.
منذ أيام قليلة رأيت مشهدًا هزني بقوة من الداخل؛ كنت قد وصلت لتوي إلى جناح روايات مصرية للجيب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عندما وجدت سيدة لم أكن أعرفها حتى هذه اللحظة تقف في إحدى زوايا الجناح وعدد كبير من القراء والكتاب يلتفون حولها في جو حميمي، بعدها بدقائق تحركت من مكانها واقتربت من الصديقة علا الشربيني وتحدثتا سويًا، قبل أن تعرفها بي، التقطت صورة معي وهي تحمل روايتي الأخيرة كما فعلت مع بقية الكتاب، مضت في هدوء، تتأمل الكتب المتراصة. علمت بعد ذلك أنها الدكتورة ميرفت راغب، أرملة الدكتور نبيل فاروق رحمه الله.
أحسستها وهي واقفة تمسك بكتاب أو تتأمل آخر وكأنها تبحث عن الدكتور نبيل أو تتشمم رائحته أو تحاول بأناملها أن تلمس سطوره، لسان حالها يقول إنها جاءت حتى تكمل ما بدأه ،ما وسعها إلى ذلك سبيلاً، حتى ولو بالوقوف بين تلاميذه والسائرين على دربه والتقاط الصور التذكارية معهم.
لا أظن أنني سمعتها تتكلم كثيرًا، ترد التحية بكلمات مقتضبة، تهز رأسها بامتنان للجميع وترتسم ابتسامة ملائكية على وجهها عندما يتردد اسم الراحل الكبير الدكتور نبيل فاروق، في تعبير صادق عن الوفاء لمن تحب.
المشاعر الصادقة
لم ألتقِ بالدكتور نبيل فاروق في حياتي، وإن كنت مثل الكثيرين في طول مصر وعرضها، قرأت أغلب أعمال صاحب سلسلة رجل المستحيل. أكبر إنجاز للرجل هو صناعة بطل عربي يتحلى بأخلاقنا وقيمنا في مواجهة سوبرمان وغيرهم من أبطال أمريكا الخارقين.
بعد سنوات من رحيل الدكتور نبيل فاروق، بقي حيًا بكتاباته وفي قلوب محبيه، وفي المقدمة منهم بالطبع أرملته الوفية الدكتورة ميرفت راغب.
المحب يمنح من يحبه حياة أخرى بعد رحيله عندما يكرس جهده ووقته للعيش على ذكراه. أي شيء في الدنيا أجمل من هذه المشاعر الصادقة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتتضاءل أمامها الكثير من التطلعات المادية التي أضعنا أعمارنا في الجري خلفها.
لنتعلم كيف نحب أنفسنا والآخرين، عسى أن تفتح في وجوهنا طاقات النور والأمل.