دينا شرف الدين

مصر على مر العصور.. مصر المملوكية 2.. موقعة عين جالوت

الجمعة، 13 فبراير 2026 10:09 ص


كان السلطان المملوكي عز الدين أيبك قد قُتل قبل سنة من سُقُوط بغداد، وتحديدًا يوم الثُلاثاء 24 ربيع الأول 655هـ - 10 (أبريل) 1257م، على يد بعض غلمانه نتيجة تحريض زوجته شجر الدُّر بعد ازدياد الخلافات بينهما وتدخُّلها في شُؤون الحكم.

ثم سرعان ما قتلت شجر الدُّر هي الأخرى على يد جواري امرأة أيبك الأولى أُم نُور الدين عليّ.
بعد مقتل أيبك، بايع المماليك ابنه نُور الدين عليّ، وعُمره خمس عشرة سنة، ولقبوه بالملك المنصور.

عاشت البلاد في تلك الآونة حالة من القلق والاضطراب وعدم الاستقرار بسبب عدم إلمام المنصور بشؤون الحكم و كذلك تنافس الأُمراء على اعتلاء العرش، بِالإضافة إلى وصول خبر سقوط بغداد واستباحتها ومقتل الخليفة، وتقدم المغول نحو الشام، فأصبح الوضع حرجا يتطلب وجود رجل قويٍ على رأس السلطنة، علا في تلك الآونة نجم الأمير  سيف الدين قطز نائب السلطنة كأقوى أمير مملوكي.

وحد قطز صفوف المماليك تحت إمرته و خرج بجيش مملوكي لقتال المغول و ولي مقدمة الجيش للمملوك بيبرس البندقداري ، حيث واصل زحفه إلى الشام في يوليو 1260 م.

 تقابل جيش قطز والجيش المغولي بقيادة كتبغا عند قرية عين جالوت في سبتمبر 1260م/ 658 هـ وهزم جيش قطز المغول هزيمة ساحقة وقتل قائدهم كتبغا.

واصل قطز تقدمه وطرد المغول من الشام وضمها لسلطانه، وبذلك أمنت مصر خطر المغول الذين لو كانوا تمكنوا من دخلوها لحولوها إلى خراب ولقضوا على كل أثر للقاهرة كما قضوا على الذين من قبلها.

مقتل سيف الدين قطز

صار بيبرس بطلاً شعبياً لدوره الكبير في هزيمة جيش المغول الذي لم يستطع أي جيش أن يوقفه ، ولما طالب بيبيرس بمكافأته وهي إمارة حلب لم يف قطز بوعده، وصار بيبرس متخوفاً من خداع قطز له، فقرر التخلص منه.

وفي إحدي رحلات الصيد الاستكشافية في الطريق إلي مصر، انقض بيبرس علي قطز وقتله في أواخر عام 1260م.

كان بيبرس يدرك أن شعبيته ستطغى على جريمته وأن دوره في هزيمة المغول سوف يؤكد العفو عنه، و قد كان محقاً في ذلك، حيث ظل يحكم مصر مدة 17 عاما.

ثم حكم من بعده السلطان قلاوون، وبانتهاء حكمه انتهت دولة المماليك البحرية وبدأ عصر الدولة المملوكية الثانية أو البرجية.

المماليك الشركس أو المماليك البرجية أو مماليك البرج، وهم عبارة عن لواء (من المماليك) كان مقيما في القلعة عندما جندهم قلاوون منذ مايقرب من مائة عام على وصولهم للحكم 1382 ميلاديه 787 هـ.

وبدأ الحكم بالظاهر برقوق وانتهى بالأشرف قنصوه الغوري الذي قتله العثمانيون في مرج دابق سنة 922هـ الذي يوافق 1516م.

وكان الأشرفُ قايتباي من أعظمِ سلاطين الجراكسة وأطولِهم عهدًا، فقد حكم تسعةً وعشرين عامًا، ظهرتْ خلالَها كفاءتُه السياسية والعسكرية، وفي عهدِه بدأ خطرُ العثمانيين.
 
سقوط الدولة المملوكية

في البداية امتازت العلاقات العثمانية المملوكيَّة بالود والتقارب  منذ أن قامت الدولة العُثمانيَّة وأخذت على عاتقها فتح بلاد البلقان ونشر الإسلام في ربوعها، وخطب السلاطين العُثمانيين ود السلاطين المماليك باعتبارهم زُعماء العالم الإسلامي والقائمين على حماية الخِلافة الإسلاميَّة، واعترفوا لهم بِالأولويَّة السياسيَّة والدينيَّة، بينما احتفظوا لِأنفُسهم بدورًا مُتواضعًا هو دور البكوات ، وظل المماليك ينظرون إلى تحركات العُثمانيين الجهادية كجزء من المسألة الإسلاميَّة العامة.

ولما فتح العثمانيون القسطنطينية سنة 857هـ - 1453م، اعتبر المماليك ذلك نصرًا عظيمًا لِعامَّة المُسلمين، واحتفلت القاهرة بِهذا الحدث احتفالًا رائعًا، فزُينت الأسواق والحارات، وأوقدت الشُمُوع في الشوارع والمآذن، ودُقَّت البشائر السُلطانيَّة في قلعة الجبل عدَّة أيَّام، وعمَّ السُكَّان الفرح.

وقد كان فتح القسطنطينية الحد النهائي لِلعلاقات الودية بين المماليك والعثمانيين، فعند ذلك طويت صفحة العلاقات الجيِّدة بين الدولتين وفتحت صفحة جديدة سادها العداء بفعل تصادم المصالح، خاصة بعد أن أوقف العُثمانيُّون فُتُوحاتهم في شبه جزيرة البلقان، وتحوَّلوا إلى آسيا الصُغرى لاستكمال ضمِّها إلى مُمتلكاتهم من أجل تسهيل تمويل حملاتهم الذاهبة إلى إيران لِمُحاربة الصفويين الذين كانوا قد فرضوا التشيُّع على الإيرانيين.

كان كل انتصار يُحققه العُثمانيُّون على الصفويين، يعني هزيمةً قاسيةً لِلمماليك، ويُؤدي إلى الانتقاص من هيبتهم بصفتهم سلاطين المُسلمين وحُماة الخِلافة، كما أنَّ تهديد الصفويين لكليهما لم يُخفف مُطلقًا من الصراعات بينهما، فتصرَّفت كُل دولة بِمعزلٍ عن الأُخرى.

وفي 2 رجب 920 هـ - 23 أغسطس 1514 م انتصر العثمانيون على الصفويين في معركة "جالديران" ليردوهم علي أعقابهم إلى إيران.

وكان السُلطان الغوري يدرك تمامًا أن المُنتصر من الجانبين سيعمل على تصفية الموقف في المشرق العربي بالاصطدام بالمماليك، فكان عليه أن يتخذ موقفا من التطورات السياسية والعسكرية السريعة، لذا رأى أن يلتزم الحياد تاركًا الدولة العُثمانيَّة وحيدة في مُواجهة الصفويين ، إذ حاول السُلطان سليم استقطاب الغوري إلى جانبه، فأرسل بعثةً عثمانية إلى القاهرة وصلتها في ربيع الآخر سنة 920هـ - (مايو) سنة 1514م، حاملةً اقتراحا بعقد تحالف بين العثمانيين والمماليك لِمُحاربة الصفويين، لكنَّ المماليك رفضوا الاقتراح وتمسَّكوا بِسياستهم، وفضلوا اتخاذ موقف الحياد و الانتظار، فاعتبر العُثمانيون سياسة المماليك هذه مظهرًا من مظاهر العداوة، وأخذوا يعتبرونهم العدو الرئيسي،
حيث بادر السُلطان سليم إلى الاستيلاء على إمارة ذي القدر التركمانية الأناضولية  التابعة للمماليك، والتي تقع على الحدود بين الدولتين المملوكيَّة، والعُثمانيَّة، كما استغل تطلُع شعوب المشرق العربي إلى العُثمانيين كمُنقذين من الحكم المملوكي الذي أصبح متعسفًا.

خرج السُلطان قنصوه الغوري من مصر إلى الشَّام للقاء العثمانيين في محاولة لمنع سيطرتهم على البلاد، فالتقى الجمعان عند مرج دابق  شماليّ حلب، حيثُ دارت بينهما معركة ضارية،  في 25 رجب 922هـ - 8 أغسطس 1516م ، انتهت بهزيمة المماليك، وانتصار العُثمانيين، ومقتل السُلطان الغوري نفسه.

عمَّت الفوضى في صُفوف الجيش المملوكي، فالتحق قسمٌ من المماليك بالعثمانيين في حين لاذ الباقون بالفرار إلى مصر.

استثمر السلطان سليم انتصاره هذا وضمَ عينتاب وحمص وحلب وحماة ودمشق وبيت المقدس وغيرها، وكان السكان يحتفلون بِقدومه بصورة غير مسبوقة لأي سلطان عثماني.

انتخب المماليك - بعد مقتل قنصوه الغوري - طومان باي خلفًا له، فعرض عليه السُلطان سليم مُجددًا أن يعترف المماليك بِسيادة العُثمانيين، ودفع خراج سنوي لهم، فأبى طومان باي، و تصدي له سليم، فانهزم طومان باي على حدود الشام الجنوبية وانسحب بسرعة إلى مصر، فتتبعه السُلطان سليم حتَّى مدينة القاهرة حيث اتخذ المماليك رباطهم الأخير في قرية الريدانية، وهي قريةٌ صغيرة تقع على الطريق المُؤدية إلى القاهرة.

وفي ٢٩ ذي الحجة٩٢٢هـ- ٢٢يناير ١٥١٧م، دارت بين الجيشان معركة هائلة  انتصر فيها العُثمانيون بِرُغم الدفاع المُستميت لِلمماليك، ووقع طومان باي أسيرًا في يد العُثمانيين؛ بسبب خيانة أحد أتباعه له، فعامله السُلطان سليم بدايةً مُعاملةً كريمة، لكنَّهُ استسلم في النهاية لِإلحاح بعض القادة والأُمراء، فأمر بِإعدامه، حيث تم شنقه على باب زويله ،

وبِمقتل طومان باي سقطت الدولة المملوكيَّة، وأصبحت مصر و الشام جُزءًا من الدولة العُثمانيَّة.
و في أثناء وجود السُلطان سليم في القاهرة، قدم إليه شريف مكَّة مفاتيح الحرمين الشريفين كرمزٍ لِدُخول الحجاز تحت جناح الدولة العُثمانيَّة، وبعد عودته إلى عاصمة مُلكه إستنبول ، تمت مبايعته بِالخلافة الإسلاميَّة بعد أن تنازل له عنها آخر خُلفاء بني العبَّاس محمد بن يعقوب المتوكل علي الله .

كانت أهم أسباب انتصار العثمانيين و هزيمة المماليك أن الجيشُ العثماني أحدثَ تسليحًا، وأدقَّ نظامًا وأكثر طاعةً والتزامًا، وكانوا يستعملون البنادقَ والأسلحةَ النارية، أمَّا المماليكُ فكانوا يعتبرون استخدامَها جُبنًا، ويعتزُّون بفروسيتِهم وإجادتِهم للسَّيفِ والرُّمح، وكان طومان باي يتحدَّى السُّلطانَ سليم بأنْ يأمرَ جندَه بترك البنادق والمنازلة بالسَّيفِ،

يقول المؤرِّخ المصري أحمد بن علي المعروف بابن زنبل:
"لولا النَّار التي مع السُّلطانِ سليم ما غُلِب المماليكُ في الحرب ولا مرَّة".


كما قام المُؤرِّخ والشَّاعر "ابن إياس" بِرثاء الدولة المملوكيَّة في قصيدةٍ طويلةٍ جاء في مطلعها:
نوحوا علي مصر لأمر قد جري          
من حادث عمت مصيبته الوري
الله أكبر إنها لمصيبة                          وقعت بمصر ما لها مثل يري
لهفي علي عيش بمصر قد خلت          أيامه كالحلم ولى مدبرا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة