صالح زمانان: زرقاء اليمامة مغامرة جمالية ومشروع يليق بالمسرح العربى

الأحد، 01 فبراير 2026 07:23 م
صالح زمانان: زرقاء اليمامة مغامرة جمالية ومشروع يليق بالمسرح العربى جانب من الندوة

محمد عبد الرحمن

وجّه الكاتب والشاعر والمسرحي السعودي صالح زمانان الشكر إلى الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، على استضافة ندوة مناقشة أوبرا "زرقاء اليمامة"، مؤكدًا أن وجود هذا العمل في معرض القاهرة يمثل لحظة ثقافية مهمة، لكونه أول أوبرا سعودية تُقدَّم بهذا الشكل العربي والعالمي، وفي سياق حوار فكري وفني مفتوح مع جمهور عربي واسع.

 

أوبرا زرقاء اليمامة

وقال زمانان إن أوبرا "زرقاء اليمامة" تنطلق من أسطورة جذابة ومتجذرة في تاريخ شبه الجزيرة العربية، لامرأة تصنع الأعاجيب وتلقي النبوءات، وتمتلك بصيرة تتجاوز حدود الزمن والمكان، موضحًا أن هذه الأسطورة لم تكن يومًا حكاية عابرة، بل جزءًا أصيلًا من المتن الحضاري العربي، حيث كان الشعر أحد أهم أدوات الوعي والذاكرة، بل وأحد أسلحة الأيديولوجيا القديمة لدى العرب.

وأضاف أن نص الأوبرا كُتب في جوهره كنص شعري، قُدِّم في سياق ندوات شعرية، لأن العرب - بحسب تعبيره – "جعلوا الشعر واحدًا من متون حضارتهم وأيامهم"، مشيرًا إلى أن ذكر زرقاء اليمامة لا يكاد يأتي في أي سياق تراثي أو تاريخي، إلا ويتخلله الشعر على ألسنة الشخصيات، كما أن شعراء اليمامة ظلوا دومًا مستدعين في القصيدة العربية عبر العصور.

 

صالح زمانان: فن الأوبرا يخدم الصوت قبل أي شيء

وتحدث "زمانان" عن خصوصية فن الأوبرا، مؤكدًا أنه فن يخدم الصوت قبل أي شيء، ويُعلي من قيمة الخصوصية الصوتية التي تُسمى "الأوبرالية"، مشيرًا إلى أن صوت زرقاء اليمامة في العمل جاء محمّلًا بحزن أبدي، قادر على قطع الدهور والوصول إلى الأبد، وأن الأوبرا استطاعت التعبير عن الصوت الشعري الجواني العميق الذي كان مصدرًا أساسيًا لهذا الحزن.

وأوضح أن المأساة الأساسية في حكاية زرقاء اليمامة تتجسد في عجزها عن إقناع قومها بما تراه، فإذا لم تستطع أن تقنعهم بالجيوش التي كانت تراها قادمة، فإن الألم يتضاعف، ويصبح المصير حتميًا، مشيرًا إلى أن الشخصيات جميعها تمثل "العرب البائدة" أو القبائل البعيدة، وهي عبارة شديدة الحساسية في التراث العربي، لأنها تحيل إلى الإبادة والفناء ومحو الوجود.

 

الأوبرا تناولت مراحل الإبادة في التاريخ العربي القديم

وأشار إلى أن الأوبرا تناولت في جوهرها مراحل الإبادة في التاريخ العربي القديم، وقدمت ذلك من خلال بناء رمزي كثيف، حيث جرى تقديم الشعر في ثنايا النص بوصفه صوت التحذير وصوت الحكمة، لافتًا إلى أن زرقاء اليمامة قُدِّمت في التراث للملك الظالم الذي اشتهر عند العرب قديمًا بإشعال الحروب، لتجيبه الزرقاء بصوت العدم والفناء والإبادة.

وأكد زمانان أن أهمية شخصية زرقاء اليمامة في الأوبرا العربية تكمن في بصيرتها، وفي التلازم بين البصر والبصيرة، حتى تحولت زرقاء اليمامة إلى وصف رمزي مميز للمرأة، وللزمن، وللأرض، مستشهدًا بعدد من أبيات الشاعر أمل دنقل التي تناولت زرقاء اليمامة بوصفها أسطورة حاضرة في الوجدان العربي.

وأضاف أن استمرار حضور زرقاء اليمامة في الثقافة العربية يعكس مواويل الظلم المتكررة عبر التاريخ، مشيرًا إلى أن شبه الجزيرة العربية، باعتبارها موطن هذه الأسطورة، تمثل عالمًا قديمًا وفردوسًا ميثولوجيًا، لكنه في الوقت ذاته كان مليئًا بالتراجيديا عالية التوتر والصراع، حيث كان الحكيم شاعرًا، وكانت الحكايات تدور حول الثأر والإبادة.

وقال إن الثراء الجمالي الكامن في هذه الأسطورة هو ما دفعه لاستلهامها في كتابته المسرحية، بوصفها شهادة فنية على ما حدث في شبه الجزيرة العربية، موضحًا أن هذا المشروع يسعى في المستقبل إلى التوسع والنشر في كتاب أكثر اتساعًا، باعتباره شهادة إبداعية وتاريخية في آن واحد.

وتحدث زمانان عن كواليس المشروع، مؤكدًا أنه كان مغامرة حقيقية، خاصة في بداياته، لافتًا إلى أن سلمان الأبازي، المشرف العام على المشروع، واجه مع فريق العمل قدرًا من السخرية والتشكيك في إمكانية تنفيذ الأوبرا، إلا أن المشروع اكتمل وخرج إلى النور.

وأوضح أن ما يميز "زرقاء اليمامة" هو تنوع جمالياتها وتفكك هذه الجماليات داخل ترسانة إبداعية ضخمة، ضمت مبدعين من نحو 20 دولة حول العالم، مشيرًا إلى أن العمل استغرق ثلاث سنوات، وتم تنفيذه فعليًا في ثلاث مدن مختلفة حول العالم.

وأشار إلى أنه كتب في البداية نصًا طويلًا موزونًا وفق قواعد فن الأوبرا، يحتاج إلى ثلاث ساعات عرض، لكنه اضطر لاحقًا إلى الانتقال إلى عمل أكثر تكثيفًا وتقليل النص، موضحًا أن أوبرا بهذا الشكل لا يمكن أن تتجاوز سبع شخصيات صوتية، نسائية ورجالية، وهو ما وضعه أمام تحدٍ كبير اضطره إلى دمج عدد من الشخصيات.

وأضاف أن هذا التفكيك الثاني للنص خلق مشكلات موسيقية جديدة، خاصة مع تطور الإخراج الأوبرالي في السنوات الأخيرة، ودخول التقنيات الحديثة في العرض، بالتعاون مع المخرج السويسري الإيطالي دانييل فينزي باسكا، الذي وصفه بأنه فنان عظيم، لكنه شديد العناد والنرجسية.

وكشف زمانان عن تفاصيل اللقاء الأول مع باسكا، مشيرًا إلى أن القهوة انسكبت على الأوراق في بداية التعاون، وهو ما اعتبره لحظة كاشفة لضرورة وضع حدود إبداعية واضحة، مؤكدًا أنه رغم الاختلاف الحاد في الرؤى، استطاع كل طرف أن يقدم أفضل ما لديه.

وأوضح أنه كان يرغب في الذهاب بالأوبرا إلى أقصى مفاهيم الإبادة والحرب والموت، بينما كان دانييل فينزي باسكا يميل إلى السلام، لكن هذا الصراع الإبداعي هو ما أنتج المشاهد التي شاهدها الجمهور، والتي أعرب عن فخره الشديد بها.

واختتم صالح زمانان تصريحاته بالتأكيد على أن أوبرا «زرقاء اليمامة» تمثل مشروعًا ثريًا في تاريخ المسرح العربي، وأنها، وفق المعايير الجمالية، تظل عملًا رمزيًا في العالم العربي، بوصفها عملًا رسميًا يدعو للفخر، معربًا عن سعادته الكبيرة بالتجربة، وبكتابتها، وبما حققته من حضور عربي وعالمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة